صحيفة النهار- نبيل بومنصف
بين 5 آب الحالي و19 منه شهد لبنان عاصفة سياسية يمكن تصنيفها بأنها الأشد حدة وخطورة على المستوى الوطني العام منذ بداية عهد الرئيس جوزف عون. شكلت الفترة الفاصلة بين اتخاذ مجلس الوزراء قراره المفصلي في شأن حصرية السلاح في يد الدولة والزيارة الرابعة للموفد الأميركي توم براك مصحوبا بالموفدة السابقة العائدة للإمساك بالملف اللبناني مورغان أورتاغوس، الاختبار الأكثر دقة وحرجا لتماسك موقف السلطة، ممثلة تحديدا برئيسي الجمهورية والحكومة اللذين كانا ولا يزالان يشكلان رأس الحربة الحقيقية في نقل القرار الرسمي من ضفة التريث والتردد والتمهل حيال معضلة سلاح “الحزب ” إلى ضفة القرار الحاسم ووضع حد نهائي للترجّح الخطر تحت وطأة الضغوط الدولية غير المسبوقة الآخذة في التصاعد.
بمعزل عن اللياقات الديبلوماسية المنمقة والمهذبة التي تحاول تدوير الزوايا وتخفيف وطأة التداعيات الناشئة عن انسحاب الوزراء الشيعة من جلسة مصيرية في الخامس من آب، ومن ثم في السابع منه أيضا لإقرار أهداف ورقة توم براك، صار المشهد الداخلي للسلطة راهنا أقرب ما يكون إلى ما أعقب استقالة الوزراء الشيعة في أسوأ العهود قاطبة إبان الوصاية السورية على لبنان، أي عهد أميل لحود، يوم اغتيال جبران تويني حين ردت حكومة الرئيس فؤاد السنيورة بطلب إنشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان للنظر في اغتيال رجالات الانتفاضة على الوصاية.
حصل آنذاك “الانفصام التاريخي” بين المعسكر السيادي والمعسكر الموالي لنظام الأسد والنظام الإيراني على خلفية الحرب الإرهابية الأشد سوادا في تاريخ لبنان، والتي لم يضع حدا لها الجلاء المذلّ القسري للنظام الأسدي من لبنان، بما أدى إلى الكثير من الأزمات المتناسلة أمنيا وسياسيا، حتى رسوّ المشهد على عهد الرئيس جوزف عون وتأليف الحكومة برئاسة نواف سلام.
لا يحتاج اللبنانيون إطلاقا إلى إنعاش الذاكرة بمجريات بالكاد تفارقهم كلما طلع فجر عليهم بجولات من الخطب والسجالات “الفواحة” كمثل تلك التي انفجرت عقب قرار حصر السلاح في يد الدولة وارتفعت معها نبرات استحضار الحرب الأهلية أو الفتن المتعددة الأشكال، وما إليها من استحضارات قبلية النزعات بالكامل. ما يعني اللبنانيين الآن، وقد تجمعت عند أفق بوابات المشهد اللبناني سحب لا تزال تثير المخاوف مما بعد بدايات أيلول المقبل، أن تبقى السلطة اللبنانية الشرعية رأس الحربة وحدها في فرض ما قررت، والمضي قدما في التزاماتها بعيدا من أي تراجع، لئلا يغدو ثمن التراجع أو تدوير الالتزامات بذرائع ومن دونها، أفدح وأخطر مما حصل للبنان في عهد لحود وما تلاه من عهود بفضل التغول السياسي والطائفي والمذهبي المسلح طبعا، والذي أطبق على واقع البلد وجعله رهينة حتى بعد تحرره من الوصاية الأسدية.
ولأن الأمور يجب أن تساق بصراحة متناهية، فإن ما جرى في الأسبوعين الأخيرين كشف “استقتال” الوصاية الإيرانية لاستخدام لبنان ساحة بريد مع الأميركيين مهما كلف الأمر. وربما لا نغالي إن خشينا نجاح طهران في تحويل المشهد الآن إلى ملعب تبادل للرسائل مع أميركا التي أرسلت موفديها على عجل للرد، كما مع إسرائيل التي لا حاجة إلى كشف وتيرة سلوكياتها الميدانية الآخذة في ترسيخ أهدافها القريبة والبعيدة في الجنوب. وحدها قرارت الدولة اللبنانية المتماسكة والصلبة وغير القابلة للتراجع أو التهاون أو التدوير ستشكل مع بدايات أيلول ما يتعين عليها أن تردّ به على ناصبي الفخاخ … وننتظر.