السلفيّون وفرصة السنيّة اللبنانيّة
بديهيّ أن يكون تنامي السلفيّة مدعاة قلق، في لبنان وغير لبنان. لكن ظاهرة كهذه يصحبها، في البلد المذكور، قلق أكبر تبعاً لتكوينه التعدّديّ طائفيّاً. مع هذا، فتحويل السلفيّة وقوّتها ذريعةً لأغراض أخرى، على ما يجري اليوم، يحمل على قلق مواز. ذاك أن الظاهرة تلك محكومة بحدود دلّت إلى بعضها المحاولة البائسة الأخيرة لـ»التفاهم» مع «حزب الله».
ولنقلْ إن الحدّ الأوّل كون السلفيّين لا يزالون بعيدين جدّاً من التحوّل أصحاب مشروع. فخطرهم، بما في ذلك أعلى تجلّياته في نهر البارد، لا يزال أدنى بكثير من خطر المشاريع الجاهزة والمكتملة، فضلاً عن خارجيّته بشراً أو أدوات. فالسلفيّ اللبنانيّ لا يزال يتبدّى، مرّة، حالات فرديّة وقبضات متناثرة من المجموعات، كما يتبدّى، مرّة أخرى، قاطرة لغباء يتيح اختراق قوى، داخليّة أو خارجيّة، يهمّها أن تخترق. يكفي القول إن الصورة حين تنقلهم، فإن إطارها الضيّق يتّسع لتنظيم كامل من تنظيماتهم، أو لمعركة إرهابيّة غامضة من معاركهم.
أما الحدّ الثاني فأن السلفيّة السنّيّة اللبنانيّة لا تزال أضعف كثيراً وأقلّ راديكاليّة منها في معظم البلدان العربيّة والإسلاميّة. وهذا إذا ما عاد جزئيّاً إلى تركيب لبنان، عاد أيضاً الى الظاهرة الحريريّة. فإذا قال قائل إن الأخيرة تقاطعت، في هذه المحطّة أو تلك، مع سلفيّين، فهذا، على صحّته، لا يخلّ بالقانون اللبنانيّ العامّ الذي يفتح القنوات بين متون الطوائف، كلّ الطوائف، وهوامشها. بيد أن دور الحريريّة الكابح للتجاوز الراديكاليّ يبقى، بلا قياس، أقوى من دورها في إنعاشه. وهي الحقيقة التي يترتّب عليها أن إضعاف الحريريّة ومعه إضعاف السنّة وثقتهم بحلول معتدلة هما أقصر الطرق إلى تعزيز السلفيّة.
ومن هذا القبيل، وهذا هو الحدّ الثالث، أن وجود السلاح في يد طائفة معيّنة هو الشكل الراهن لإشعار الطوائف الأخرى بالخطر وحضّها على طلب الحلول غير المعتدلة. وهنا يلوح سلاح «المقاومة» سبباً وجيهاً لاحتمال الصعود السلفيّ السنّيّ، لا سيّما وأن السلاح ذاك مرفق بخطّة ولغة منهجيّتين في تحطيم العازل الحريريّ، ورثهما الخلف الأصوليّ عن السلف اليساريّ.
لا يعني ذلك أن «تيّار المستقبل» يعفي نفسه من اللوم في مجرّد امتناعه عن إنتاج السلفيّة. ذاك أن المطلوب منه التقدّم لتوليد وعي جديد ربّما كان هو أقدر التجمّعات الطائفيّة على إنتاجه.
فالحريريّة سنّيّة طبعاً، لكنها أقلّ سنيّة مما حزب الله شيعيّ، أو مما العونيّة والقوّاتيّة مسيحيّتان، أو مما الجنبلاطيّة درزيّة. وهي في زمن تراجع المضمون الطبيعيّ والزراعيّ للوطنيّة، مقابل تقدّم المضمون الذي يرتبط بطريقة الحياة تجارةً ومصالح، أشدّ القوى الطائفيّة تأهيلاً لدور كهذا.
وهذا، فضلاً عن مواصفات أخرى، يهيّء الطائفة السنّيّة لإكمال المشروع اللبنانيّ، المعاق راهناً، والذي كانت الطائفة المارونيّة مؤسّسته قبل أن تفقد زخمها.
والحال أن الطائفة الشيعيّة، قبل أن يختطفها حزب الله، وقبل اغتيال رفيق الحريري، كانت تملك أكثر من سواها مواصفات هذا الدور. فهي الطائفة اللبنانيّة الأولى لناحية كونها نتاج الدولة والإدارة اللبنانيّتين، تملك مما يملكه المسيحيّون مرجعيّة المكان – الوطن، من غير أن تملك النزوع الرومنطيقيّ «الانعزاليّ» الذي عُرفوا به، وتملك مما يملكه السنّة البُعد الثقافيّ المتجاوز ضيقَ الرقعة، من دون أن تئن تحت وطأة العروبة والقوميّة.
وهذا ما تغيّر تماماً لينيط المهمّة بالسنّة شرط أن ينووا القيام بذلك. لكنّ الحريريّة، كيما تنوي وتحزم أمرها، ستكون مدعوّة لأن تتجاوز وعيها التقنيّ – الشكلانيّ وسلوكها السياسيّ الموسميّ، وهما مما حكمها منذ ولادتها. وأهمّ من هذا، عدم الاكتفاء بالعيش على مركّب يحوي، من جهة، مخلّفات الانتاج الإيديولوجيّ المارونيّ، ومن جهة أخرى، «عروبة عبد الناصر». فبهذا «الكولاج»، يبقى لدى السنّة وعيان انفجاريّان يتعايشان من دون أن يؤسّسا وعياً جديداً يواكب إعادة التأسيس اللبنانيّ. والحقّ أن العزوف عن ذلك يمكن أن يرقى حينذاك إلى واحد من مصادر تقوية السلفيّة.