
… و”دارت الأيام”. “الساحرة” مورغان أورتاغوس تتخايل في بيروت، تتنقَّل من منطقة إلى منطقة في وضح النهار، تدخل صالون التزيين، “تتمكيج” وتسرّح شعرها، تسريحة لبنانية “على طريقة جميلات لبنان”، تنتقل لاحتساء القهوة في أحد مقاهي “لؤلؤة الشرق”، من دون أن تغفل عن لقاء مع اسم لبناني لامع في عالم الموضة والأزياء العالمي، لتكون في ساعات المساء نجمة عشاء سياسي دبلوماسي حاشد. كل ذلك، من دون أن تفقد الجميلة مورغان “ذرة” من رصانة الدبلوماسية “الطاغية الحضور” والجدية المتماسكة القابضة على ملفّها بأدق تفاصيله، ليسطع نجمها أكثر في اللقاءات الرسمية مع المسؤولين اللبنانيين، وفي المؤتمرات والأحاديث الصحفية وأمام عدسات الكاميرات.
في الأثناء، يطل الشيخ نعيم قاسم عبر شاشة التلفزيون من تحت الأرض، من نفق ما أو سرداب ما، لا نعلم، مرعداً مزبداً مهدداً متوعداً، محاولاً افتعال قوة هو أول من يدرك أنها باتت “كرتونية”، بالأدلة والوقائع الدامغة التي “فضحتها” حرب إسناده وحزبه الأخيرة، قوة لم تعد تفيد إلا لبعض التخريب، أو ربما إثارة بعض الفوضى المؤقتة، التي لن تُنتج شيئاً في نهاية المطاف، بل تُعمِّق مأزق “الحزب” وخسائره أكثر.
يا لسخرية القدر، مورغان في شوارع بيروت ومحلاتها ومقاهيها ودور أزيائها تحت ضوء الشمس، تستمتع بجمال بيروت وسحر بيروت وألق بيروت و”هوا بيروت” و”روح بيروت الأصلية”، ولا “موتسيك” يجرؤ على تعكير مزاجها. في المقابل، الشيخ نعيم قاسم في السرداب!”.
مسكين الشيخ نعيم، يحاول عبثاً تقليد السيد نصرالله. يرفع إصبعه، يرفع سقف الخطاب، لكن صوته الرفيع بدل أن يُحفِّز الجماهير، يثير الضحك لديها. يحاول بشعار “هيهات منا الذلّة”، لعلّ وعسى “يقبضونه جد”، فيتلقَّف المشاهدون طريقته وأسلوبه وتقليده الفاشل للسيد نصرالله، بالسخرية المصحوبة بموجات متلاحقة من الضحك الهستيري.
وليكتمل مشهد الشيخ نعيم والوضعية الساخرة التي بات وحزبه عليها، لم يكن ينقص سوى أن يقوم صحافي بسؤال مورغان عن تعليقها على تهديدات الشيخ نعيم وخطابه التصعيدي، ويا للهول، تُظهر مورغان عدم اكتراثها وتجيب ساخرة باختصار شديد، بكلمة واحدة، ” pathetic”، “مثير للشفقة”، وتُكمل طريقها.
لكن ثمة ما يتخطى الشكل في تحركات وتنقلات مورغان أورتاغوس في بيروت. ما سبق عموماً هو في الشكل، على الرغم من أنه غير مفصول تماماً عن المضمون وتوجيه “الرسائل”، لكن في المضمون بشكل مباشر، هو أشد وطأة بعد على الشيخ نعيم وحزبه.
يا للزمن، كيف كان الأميركي لا يجرؤ على الخروج من الفندق في بيروت، وكيف كان يُخطف الأميركيون على يد “الحزب” ويؤخذون رهائن للتفاوض مع الإدارات الأميركية على إطلاق سراحهم وقبض الأثمان من قبل إيران ونظام الأسد، وكيف تتخايل مورغان أورتاغوس اليوم “مزهوّة” في بيروت، “واثقة الخطوة تمشي ملكةً” في وضح النهار، فيما الشيخ نعيم لا يجرؤ على الخروج من السرداب!.
هنا المعنى الحقيقي في “رسائل” مورغان البيروتية المدينية، بأن الكثير الكثير قد تغيّر، بأن الصفحة الماضية طُويت إلى غير رجعة، بأن بيروت تعود شيئاً فشيئاً إلى ذاتها، وبأن لبنان الدولة العائدة إلى ممارسة دورها الكامل وسيادتها المطلقة تحظى بدعم أميركي لا لبس فيه.
ما كان لمورغان أورتاغوس أن تتمتع بسحر بيروت وجمالها وحيويتها وعشق الحياة الذي ينبض فيها، لو لم يكن هناك تحوّل جذري قلب الوضع السابق، لو لم يكن هناك تدهور دراماتيكي متدحرج في وضعية كل الميليشيات غير الشرعية، وفي مقدمتها “الحزب”، وتقدم لوضعية الدولة الفعلية العازمة.
يا لسخرية القدر. من ظنَّ يوماً أنه أخضع بيروت ورماها في فم “التنين الإيراني” إلى الأبد، واستكبر واستعلى وارتكب أفظع الخطايا بحق أهلها وناسها، لم يعد يجرؤ على الخروج إلى ضوء الشمس، ويكتشف اليوم كم كان مخطئاً ومشتبهاً، وكم أن بيروت، ابنة الحرية والحياة، عصيّة على الأسر والموت.
هنا المعاني الحقيقية، فلم يكن للدبلوماسية الأميركية، “الساحرة” الجميلة، مورغان أورتاغوس، أن تعيش بيروت الحقيقية، بحضارتها وجمالها ورقيّها ونمط الحياة المميز الأصيل فيها، لولا المرحلة الجديدة التي دخل فيها لبنان، الذي يتقدّم تدريجياً على هذا المسار، بثبات. هنا الأهم، أن زمن الميليشيات غبر الشرعية إلى تراجع ومن ثم إلى زوال، وزمن الدولة اللبنانية إلى تقدم على طريق الثبات، دولة تحظى بدعم ورعاية عربية ودولية، وتحديداً أميركية، وأغلب الظن أنه كلما تقدّمت الدولة وعاد لبنان إلى ذاته التاريخية الحضارية، كلما ستزيدنا “الساحرة” مورغان من جاذبيتها ومن “سحرها” الأخّاذ، بالمعنى الشخصي والسياسي في آن، على الأقل هذا ما يأمله اللبنانيون الأصيلون المخلصون العاشقون للحياة.
