
لا يهوى الشعب اللبناني المواجهات أو الحروب المستمرة، بل آن الأوان ليعيش في دولة فعلية مستقرة ومحايدة، بعيدة عن صراعات المحيط. لقد دفع هذا الشعب أثمانًا باهظة لحروب الآخرين على أرضه، ولحروب بعض مكوّناته دعمًا لقضايا خارجية، فسقط له الشهداء وضاعت ممتلكاته وجنى عمره في رهانات خاسرة. وسيكون خيانة كبرى لهؤلاء الشهداء، الذين تراكموا منذ العام 1975 وحتى اليوم، أن تستمر الجمهورية اللبنانية في التفكّك والخضوع لهيمنة دول طامحة للتوسّع.
إنّ آلاف الشهداء من المقاومة اللبنانية لم يقدّموا حياتهم من أجل جمهورية فاسدة فاقدة السيادة والحرية وقرار السلم والحرب والديموقراطية والقانون والدستور، بل حلموا بلبنان قوي يشبههم، لبنان يشبه “سويسرا الشرق”: دولة مستقرة ومزدهرة، لا تعلو فيها أي أولوية على أولوية شعبها ونمط عيشه.
شهداء المقاومة اللبنانية أحبّوا مجتمعهم ودافعوا عنه، وأرادوا أن يعيش أهاليهم في سلام بعد العام 1990. لكن، ويا للأسف، لم تنتهِ الحرب بل تبدّلت وجوهها. فبعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية في العام 1982، وانسحاب إسرائيل في العام 2000، ثم الجيش السوري في العام 2005، كاد حلم بناء الدولة يتحقق. إلا أن “الحزب”، التنظيم العسكري الإيراني التسليح والعقيدة، الذي ادّعى مقاومة إسرائيل، استنسخ تجربة المنظمات الفلسطينية، وجعل لبنان منصّة لمشروع “الثورة الإسلامية” الآتي من إيران. وهكذا تاه “الحزب” في حروب جانبية في اليمن وسوريا والعراق ولبنان.
منذ العام 2005، بدأ “الحزب” بالكشف عن مشروعه الأساس: “الدولة البديلة”. أدخل البلد في أتون حرب بأجندة إيرانية في العام 2006، ثم فرض الثلث المعطّل بقوة السلاح في 7 أيار من العام 2008. وأعلن أمينه العام الراحل نصرالله في 11 تموز من العام 2015 أنّ “طريق القدس يمرّ في القلمون والزبداني وحمص وحلب ودرعا والحسكة”…
وفي 8 تشرين الأول من العام 2023، وبعد عملية “حماس” في غلاف غزة، أطلق “الحزب” من جنوب لبنان حرب “إسناد” بأوامر إيرانية، سرعان ما دفعت إسرائيل إلى توسيع المواجهة وضرب الحزب قيادةً وبنيةً وسلاحًا.
لقد حكم “الحزب” لبنان كما حكم عرفات يومًا ما، ففرض دولته داخل الدولة، محاولًا توسيع مربّعه الأمني ليشمل الوطن بأسره. وباتت ثلاثية “الجيش والشعب والمقاومة” في البيانات الوزارية نسخة عن اتفاقيتي القاهرة و”ملكارت”، بحيث تتماهى دولة “الحزب” مع مشروع الوطن البديل على حساب الدولة السيدة المستقلة.
فهل استشهد شباب لبنان بين أعوام 1975 و1990 من أجل هذا “اللبنان” الخاضع للعقيدة الإيرانية؟ مشروع “الحزب” مشروع فتنة دائمة، وأي سلاح خارج الشرعية يعني خطر تكرار تجربة 13 نيسان من العام 1975 التي “تنذكر وما تنعاد”.
اليوم، “ما صحّ إلا الصحيح” كما يقول رئيس “القوات اللبنانية” سمير جعجع. منذ 5 آب من العام 2025، بدأت الدولة تستعيد هيبتها بعد قرار حصر السلاح بيد الجيش اللبناني، تمهيدًا للتخلّص من نير الممانعة وبناء دولة الحرية والقضاء والقانون والازدهار.
إنّ “القوات اللبنانية” وحلفاءها الاستراتيجيين كـ”الكتائب” و”الأحرار” يساهمون عبر تمثيلهم الوزاري في أن يكونوا على مستوى تضحيات الشهداء الذين دافعوا عن سيادة لبنان “حيث لا يجرؤ الآخرون”. ونحن، حاملو إرثهم، جاهزون لنكون رأس حربة في مواجهة أي مشروع يغيّر هوية لبنان، داعمين الجيش بكل قوتنا وقدراتنا وعلاقاتنا الدبلوماسية.
آن الأوان لمنع “الحزب” المذهبي الموالي لإيران من جرّ لبنان إلى حرب جديدة بسلاحه ومطامعه الديموغرافية. على الجيش والأجهزة الأمنية، قبل نهاية العام، وضع حدّ لهذا الخطر الذي يضرب المساواة بين اللبنانيين ويكرّس مبدأ الغالب والمغلوب.
لن نقبل، وفاءً لشهدائنا منذ آلاف السنين حتى اليوم، بأن يغيّر أحد طبيعة لبنان وهويته وتعدديته. وأي محاولة لفرض أمر واقع بالقوة لن تمر، لأن إرادة بناء الدولة لدى رئيسي الجمهورية والحكومة كبيرة ومدعومة من الشعب اللبناني الذي خبر الويلات.
شهداؤنا الذين تجرأوا ودافعوا عن لبنان هم المقاومة اللبنانية الحقيقية. والفرق كبير بين المقاومة التي تدافع عن شعبها والمقاومة الممانِعة التي حولت مناطقها إلى ظلام وفقْر وعتمة. الممانعة لم تجلب لشعوب المنطقة سوى الموت والذلّ، وما زالت تعيش وهم الخطابات الأيديولوجية عن “الكرامة والعنفوان”، فأي عنفوان في ظل الخراب والدمار؟
نعدكم أيها الشهداء أن نكمل ما بدأتم به حتى يتحقق هدفكم: الجمهورية القوية التي تجسدت مع الرئيس الشهيد بشير الجميل لـ21 يومًا ثم تبخرت. سنبقى على مستوى جرأتكم، حتى لو تطلّب ذلك دماء جديدة، وقطرات الدم ستثمر أمطار خير. على الرغم من تسليمنا السلاح، سنبقى نحمل شعلة الدفاع عن لبنان حتى الشهادة.
