في الدوحة، كان المشهد مختلفًا هذه المرة. لبنان الذي حضر رسميًا القمة العربية، بدا حضوره مميزًا. للمرة الأولى منذ سنوات تطغى صورة هذا البلد سياديًا على ما عداها. رئيس الجمهورية جوزيف عون والوفد المرافق، كانوا على مسافة من الجميع. التقوا أصدقاء لبنان كما خصومه، في محاولة لتظهير صورة وطن يسعى الى الحياد، والخروج من منطق الإصطفافات التي أرهقته لسنوات.
الرئيس اللبناني جوزيف عون التقى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وأكّد حرص لبنان على إقامة علاقات متينة مع إيران، كما التقى الرئيس السوري أحمد الشرع. ليست المرة الأولى التي يلتقي فيها الرجلان بعد سقوط المحور السوري ـ الإيراني. في المرة الأولى، أجرى الشرع اتصالًا هاتفيًا بالرئيس عون لتهنئته على انتخابه رئيسًا، ثم أتى اللقاء الأول بينهما في 4 آذار الماضي على هامش القمة العربية الطارئة في القاهرة، وعادا والتقيا منذ ساعات في الدوحة. صحيح أن لا زيارات رسمية على مستوى الرئاسة الأولى بين البلدين بعد، لكن الواضح والأكيد، أن صفحة جديدة بدأت تشق طريقها بين البلدين بعد 60 عامًا من المعاناة اللبنانية جراء تعاطي نظام الأسد مع لبنان الذي حاول مرارًا وتكرارًا أن يبتلعه، وانخراط جزء من اللبنانيين في الصراع السوري، على قاعدة “فريق ضد آخر”.
في هذا السياق، تضع مصادر سياسية مواكبة هذا النوع من اللقاءات في الإطار السياسي العام، إذ بغض النظر عن أهمية تظهيره إعلاميًا، غير أن لا أسرار سياسية فيه وتبقى تفاصيله غير مهمة، مشددة على أن الأهم هو المسار الاستتباعي بين دولة ودولة، والذي بدأ يوضع على السكة.
وتشير المصادر في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، إلى أننا ذاهبون إلى مزيد من التعاون والشراكة وتوثيق العلاقة بين البلدين، لأن تاريخًا كهذا لا يُحل بين ليلة وضحاها، وهو يحتاج إلى الوقت. وتضيف: “هذا المسار تراكمي وقد أتى بعد 60 عامًا من الواقع المرير بين البلدين، والوضعية الأمنية والعسكرية الصعبة، والثورة، وغياب المؤسسات، وبالتالي يبدو التأخير مبررًا باعتبار أن نظام الأسد كان مسيطرًا على كل التركيبة السورية وأي تأخير أمني ومؤسساتي وقضائي وحياتي واجتماعي ومالي هو طبيعي، لا سيما أن الشرع بدأ تقريبًا من الصفر في إعادة تركيب البلد”، موضحة أن العلاقة بين سوريا ولبنان دونها عقبات كثيرة، لا سيما أن لبنان، أسوة بسوريا، يعاني من خلل في مؤسساته، ما يعيق التواصل المنتج والسريع.
وتشدد المصادر، على أن العلاقة الجديدة بين البلدين ترتكز على ثلاثة أمور: أولًا، تريد سوريا الجديدة أن تتعاطى مع لبنان من دولة إلى دولة وطيّ صفحة الماضي، كما أنها ترفض أن يُستخدم لبنان ضدها وأن تُستخدم هي ضد لبنان، وقد أدلى الشرع بكلام مفاده “لن نكون مع فريق ضد آخر، ونريد طيّ الصفحة القديمة وبناء علاقات جديدة للمستقبل”، وهذا تطور كبير لا يجب التقليل من شأنه.
ثانيًا، تلعب السعودية دورًا محوريًا في هذا الملف، وقد رعت المملكة اللقاءات الأمنية بين البلدين واللقاء الأول بين وزارتي الدفاع اللبنانية والسورية، من أجل دفع مسار البلدين بالاتجاه المطلوب.
ثالثًا، التنسيق المؤسساتي قائم على قدم وساق، من اللجان الأمنية إلى المشاورات والاجتماعات وتبادل المعلومات. ولا بد من التذكير في هذا السياق، بأنه كما يوجد مطالب لبنانية لم تحققها سوريا، هناك في المقابل مطالب سورية لم يحققها لبنان، وأبرز مثال على ذلك، مطالبة لبنان بعودة النازحين إلى سوريا، ومطالبة سوريا بإطلاق السوريين ممّن لم تثبت عليهم أحكام قضائية من السجون اللبنانية”.
وتتابع المصادر: “الأمور العالقة تُدرس بين البلدين، والأهم أن تُدرس بشكل جدي، لكن الأساس أن لبنان وسوريا دخلا في مرحلة جديدة. لم تعد سوريا جزءًا من المحور الإيراني، كما أن الدولة اللبنانية لم تعد ملحقة بالنظام الإيراني الذي سيطر عليها من خلال “الحزب”.
