.jpg)
في زمن مضى، كانت النقاشات الدائرة داخل صفوف “الحزب” في غرف حارة حريك، حيال القرارات والخيارات، لا تجد سبيلاً إلى التسرّب، ولو من “خرم إبرة”، إلى العلن، ما عدا تلك التي يخطط “الحزب” لتسريبها أو يعلن عنها مباشرة. اليوم، تكاد نقاشات “الحزب” تُنشر، في أحيان كثيرة، على “صنوبر بيروت”، ومنها الجدل والاعتراضات والانتقادات من داخل صفوف “الحزب”، التي تابعها اللبنانيون، حول قرار إقالة مسؤولة العلاقات العامة في وحدة العلاقات الإعلامية لـ”الحزب”، رنا الساحلي، من منصبها. بالإضافة إلى ما يتردد عن إزاحة مسؤول الأمن والارتباط في “الحزب” وفيق صفا من منصبه.
بالتالي، السؤال يفرض نفسه، ماذا يحصل داخل “الحزب” بعد رحيل السيد نصرالله؟. ما صحة التضعضع الذي يُحكى عنه، وهل هناك فعلاً صراع أجنحة داخلي مشحون آخذ في التفاعل بشكل مضطرد، يتمحور بالدرجة الأولى حول السيطرة على القرار، كما يتردد في مواقع كثيرة؟.
المحلل السياسي علي الأمين، يرى أن هناك “شيئاً يحصل داخل “الحزب”، يصفه البعض بالتغيير، لكن ما هي طبيعة هذا التغيير وإلى أي مدى؟، فلا تأكيدات حاسمة بعد. لكن بالتأكيد العنوان الأساسي أن “الحزب” أمام تحديات؛ إما البقاء على ما هو عليه على الرغم من الخسائر التي تعرَّض لها على مستوى القيادات العليا والقدرات القتالية والعسكرية، وإما أن يُغيّر باتجاه ما هو مطروح عليه، أي أن يتحوّل إلى حزب سياسي. هل حسم “الحزب” هذا الخيار؟، الصراع القائم حالياً يتمحور حول هذه المسألة”.
يضيف الأمين، في حديث إلى موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني: “هنا النقطة المركزية بالنسبة للصراع القائم داخل “الحزب”، بين البنية العسكرية وبين الوضعية السياسية والتي من الممكن أن هناك شخصيات وقيادات داخل “الحزب” تريده أن يذهب بالاتجاه السياسي”، وبتقديره أن “هذ الأمر موجود”، مؤكداً أن “كل ما يحصل يبقى تحت السقف الإيراني”.
يتابع الأمين: “نحن لا يمكننا أن نتحدث عن حزب وكأنه مستقل وقادر على اتخاذ القرارات بمفرده، أو هو قادر على أن يجري عملية إصلاحية داخلية في هذا المجال”، لافتاً إلى أن “الحزب لم يعتد على إجراء مراجعة ذاتية، أو أن يحدد خياراته بناء على نظام مصالحه اللبنانية، بل هو، كما يعلن تكراراً، ملتزم بولاية الفقيه وبالتوجه الاستراتيجي الذي تقوده إيران”.
الأمين يوضح في هذا السياق، أنه “سابقاً، كان هناك ما يُسمَّى محور إيراني تنتمي إليه مجموعة دول ومجموعة ميليشيات وقوى، وبرأيي هذا المحور انتهى وهناك اليوم وضعية جديدة، والسؤال الأساسي، ما هي هذه الوضعية الجديدة للحزب إزاء هذا التغير وكيف ستكون؟. بالتالي ما نراه من صراع داخلي، داخل “الحزب”، ربما لأن إيران لم تحسم بعد الإجابة على هذا السؤال. فأحياناً يحصل نقاش داخل “الحزب” وقد يشتد، لأن الإيراني لم يكن قد حسم الخيار والاتجاه بعد”.
هنا المشكلة اليوم، وفق الأمين، الذي يؤكد أن “الحزب غير قادر على الاستمرار بالنمط ذاته، وفي الوقت نفسه غير قادر على التراجع. الخياران مكلفان، سواء الاستمرار في القتال وتحمّل الخسائر في القيادات والتدمير والبنى، أو التراجع المكلف أيضاً، إذ لا ضمانات تضمن له الحماية والاحتفاظ بالمكاسب والنفوذ السياسي والشعبي والنيابي وغيرها. بالتالي، الخياران صعبان وهناك كلفة في الحالتين، و”الحزب” يفتش عن الخيار الأقل كلفة”.
ويشدد الأمين، على أن “هذا النقاش موجود حُكماً داخل أروقة “الحزب”، وموجود أيضاً داخل البنية الإيرانية”، وبتقديره أنهم “لن ينتحروا، لن يذهبوا إلى خيارات “جنونية أو انتحارية”، إنما هم يحاولون إيجاد مساحة تضمن بقاءهم واستمراريتهم ودورهم، وهذا ما يفسّر الكلام الجديد عن السعودية، والبُعد الأساسي في هذا الكلام هو في أن “الحزب” يخاطب جمهوره ويقول له إنه يريد فكّ عزلته. فالحزب معزول، داخلياً وخارجياً، وهو يحاول إحداث اختراقات والخروج من الشرنقة التي حبس نفسه فيها، من دون صديق أو حليف”.
الأمين يعتبر، أن “كل هذه الوضعية وهذا النقاش وصراعات الخيارات، يُحدث حُكماً نوعاً من الاضطراب الداخلي، ونشاهد مظاهره من خلال إقالات أو تبديلات أو تغييرات مهما كانت، حتى في مواقع غير قيادية على مستوى رفيع. بمعنى أن الكثير من المراقبين توقفوا عند الخضة التي أحدثتها إقالة مسؤولة العلاقات العامة في وحدة العلاقات الإعلامية لـ”الحزب”، فهذا المنصب في التراتبية الحزبية يُعتبر وظيفة عادية وليس موقعاً قيادياً أو سياسياً أو عسكرياً أو أمنياً خطيراً أو حساساً”.
بالتالي، يتابع الأمين: “إذا كانت إقالة رنا الساحلي أدَّت إلى إثارة هذه الإشكالية، فهذا اختبار ودليل على كم بات صعباً على “الحزب” إحداث تغييرات من دون ضجيج أو حصول خضة. فنحن نتحدث عن حزب كان دائماً قادراً على ضبط إيقاع النقاش الداخلي في صفوفه ويتخذ ما يريده من قرارات، من دون خروج اعتراضات أو انتقادات إلى العلن. هذا يعني أن القبضة الحديدية الداخلية تراخت، بمعنى أن اليوم ليس هناك السيد نصرالله الذي يتخذ قراراً والكل يلتزم ولا أحد يواجهه”.
وفق المعطيات المتوافرة، إجمالاً، بحسب الأمين: “من الواضح أنهم، وبالحد الأدنى، يريدون الذهاب باتجاه وضعية جديدة تكون أقل “عسكريتارية”، لأن الوظيفة تغيّرت. لم يعودوا قادرين على قتال إسرائيل، ولم يعد هناك ما يسمَّى جنوب الليطاني، ولم يعد هناك مسألة سلاح مضمون البقاء والاستمرارية، وبالتالي هذا يفرض عليهم، حُكماً، طرح الأسئلة حول الأولويات والتغييرات التي عليهم القيام بها”.
هذه التغييرات والأولويات لم تُحسم بعد، يقول الأمين، مضيفاً أن “هناك اختبارات تحصل عبر بعض الخطوات التي نتابعها والتي تكشف بأنها لا تحصل بسهولة إنما بصعوبة. بالتالي، يمكن من خلال هذه الصعوبات الواضحة في أي تغيير، مهما كان في مواقع عادية مثل موقع رنا الساحلي السابق، أن نقرأ درجة ما يعانيه “الحزب” من ضعضة داخلية، وكم هناك من عدم تسليم وثقة عالية بالقيادة الموجودة. وكل ذلك، معطوف على الضياع وعدم الحسم في إيران والخيارات التي ستتخذها بين مواجهة المجتمع الدولي والولايات المتحدة أو الدخول في تسويات معينة، فاليوم بات “الحزب” أو يكاد يتحوّل ليصبح عبئاً على إيران في سياق تحقيق مصالحها أولاً”.
ويوضح الأمين في هذا السياق، أن “طهران كانت تعتبر أن “الحزب” هو عنصر دفاع عنها وقادر على تهديد إسرائيل، وبالتالي تتفادى إسرائيل ضرب إيران بسبب تهديد الأذرع ومنها “الحزب”. أما اليوم فإسرائيل تضرب إيران ساء تشاء، لا بل اليوم إذا حصل أي عمل من قبل “الحزب” باتجاه إسرائيل، فالأخيرة يمكن أن ترد في إيران قبل أن ترد في لبنان، ما يعني أن الأذرع الإيرانية و”الحزب” لم يعودوا يشكلون قوة ردع لإسرائيل أو قوة تساهم في حماية إيران”.
“من هنا، إن أزمة “الحزب” والتضعضع والاضطراب الذي نشاهده، هو وجه من أزمة إيران أيضاً لناحية الخيارات التي ستتخذها؛ مزيد من المواجهة مع أميركا والغرب، أم الذهاب نحو تسويات؟”، وفق الأمين، الذي يعرب عن اعتقاده بأن “النقاش الدائر في صفوف “الحزب” اليوم هو ذاته موجود، بشكل أو بآخر، داخل إيران نفسها، وإن كان بمظاهر وأشكال مختلفة، لكن في جوهره هو ذاته”.
