تشير المواقف الأخيرة للمبعوث الأميركي الخاص توم براك، إلى وضوحٍ لا لبس فيه في مقاربة واشنطن للملف اللبناني، حيث لم يعد خافياً أنّ السياسة الأميركية تنطلق من قاعدة أساسية مفادها أن مسؤولية إنقاذ لبنان تقع أولاً على عاتق الدولة ومؤسساتها الشرعية، لا على أي طرف خارجي. براك، المعروف بصراحته ودقته في نقل الرسائل، يكرّر على مسامع القيادات اللبنانية أنّ المشكلة الجوهرية ليست في مدى استعداد واشنطن للدعم أو المساندة، بل في غياب الخطوات العملية السيادية للدولة اللبنانية في مواجهة واقع السلاح غير الشرعي، وما يخلّفه من هشاشة داخلية ومخاطر إقليمية متفاقمة.
يؤكد براك، أنّ أي مقاربة جدّية تتعلق بملف الحدود أو الخروق الإسرائيلية لا يمكن أن تتم بمعزل عن تنفيذ لبنان التزاماته وفق الدستور واتفاق الطائف، بدءاً من حصرية السلاح بيد الدولة. ومن هذا المنطلق، يرفض براك من حيث المبدأ مطالبة واشنطن أو حتى إسرائيل بأي خطوات متقدّمة، ما لم يقابلها التزام لبناني واضح بتفكيك البنى العسكرية الخارجة عن الشرعية. أكثر من ذلك، يحذّر براك من أنّ استمرار المماطلة في تطبيق القرارات الحكومية السابقة سيُبقي لبنان أمام احتمالين لا ثالث لهما: إما البقاء تحت ضغط الاستهدافات اليومية، أو الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة كتلك التي شهدها في الأشهر الماضية.
مصادر سياسية رفيعة المستوى تشدد عبر موقع القوات اللبنانية الالكتروني، على أن المخاوف من تخلي واشنطن عن بيروت غير صحيحة وليست في مكانها. أميركا ليست في وارد التخلي عن لبنان، هذا الأمر غير مطروح نهائياً، بل على العكس، نرى أن واشنطن قد رفعت في الأشهر الأخيرة من منسوب اهتمامها بلبنان، وبالتالي ليست في هذا الوارد.
تلفت المصادر، إلى أن رسالة واشنطن هي رسالة قديمة جديدة، تشدد على أن المشكلة تكمن إذا لم يتحمل لبنان مسؤولياته، أي الحكومة اللبنانية، تجاه “الحزب”، تنفيذاً لدستور لبنان. فأميركا لا تطلب من الحكومة اللبنانية تنفيذ توصيات أميركية، إطلاقاً، إنما تطلب منها تطبيق الدستور اللبناني الذي يقول بشكل واضح إن لا سلاح إلا سلاح الدولة في لبنان، وعلى “الحزب” تسليم سلاحه الذي كان يجب أن يُسلَّم منذ 35 عاماً. بالتالي، واشنطن تدفع بهذا الاتجاه وتقول إنه في حال لم تنفذ الحكومة اللبنانية الدستور اللبناني، اتفاق الطائف، سيبقى لبنان عرضة للواقع الموجود اليوم.
وفق المصادر، توم براك يقول، لا تطلبوا مني أن أطلب من إسرائيل أن تخرج من النقاط الخمس لأنه وفق اتفاقية 27 تشرين، هي تنص على أنه مقابل خروج إسرائيل من النقاط الخمس ووقف استهدافاتها وإطلاق الأسرى، على “الحزب” تفكيك بنيته العسكرية. وأبعد من ذلك، يقول براك إن “الحزب” يراكم قوته والدولة عاجزة عن مواجهته، بالتالي أنتم عملياً تتركون المجال لإسرائيل من أجل قيامها بحرب أخرى.
تؤكد المصادر، أن كل ما يقوله براك، هو أنه من خلال عدم المبادرة إلى تنفيذ الحكومة ما اتخذته من قرارات في 5 و7 آب بالسرعة المطلوبة، فهذا يبقي لبنان إما بالوضعية الحالية تحت الاستهدافات المتواصلة، وإما بالحد الأقصى اتجاه الأمور إلى حرب موسعة على غرار ما شهده لبنان في أيلول وتشرين الماضيين. باختصار هذه هي الرسالة الأميركية.
تضيف المصادر: طبعاً، هذه المرة الأولى منذ ما قبل 5 آب التي نشهد فيها عودة التحذيرات الأميركية التي كانت قد توقفت مع قرارات الحكومة في 5 و7 آب، إذ شهدنا ارتياحاً أميركيا ورؤية بأن الحكومة تتعاطى بجدية. أما اليوم فعادت أميركا إلى نفس اللغة التي كانت تستعملها قبل 5 و7 آب لجهة تحذيراتها.
“لا شك أننا اليوم أمام واقع تمسك “الحزب” بسلاحه، على الرغم من فقدانه وظيفته وعدم قدرته على استخدامه، في حين إسرائيل مستمرة ومتمسكة بمواصلة ضرب “الحزب” ومتكئة على الاتفاق، والحكومة اللبنانية لا تريد تنفيذ الخطوات السريعة كي لا تدخل في مواجهة مع “الحزب”، وأميركا تضغط على الحكومة لتقوم بما عليها. بالتالي، ملخص الصورة أن الحرب مستمرة بين إسرائيل و”الحزب” ولا أحد يمكنه أن يتكهن متى يمكن أن تتوسع”، تختم المصادر.