#adsense

متى تصارح الدولة اللبنانيين؟

حجم الخط

الدولة اللبنانية

يعيش لبنان اليوم وسط مشهد سياسي متداخل تُقدَّم فيه القضايا الهامشية على حساب الأساسيات. فبين الخطابات والمظاهر الاستعراضية، تضيع الأسئلة الجوهرية التي تختصر مصير الوطن: من يملك قرار السلاح؟ من يموّل الشبكات الموازية؟ ومن يضمن أن تبقى الدولة المرجع الوحيد للسيادة والاقتصاد والأمن؟

في مرحلة انتقالية دقيقة، يجد اللبنانيون أنفسهم أمام عهد جديد يُفترض أن يعيد للدولة هيبتها، لكنه يصطدم بحسابات داخلية وإقليمية تحاول إبقاء القرار الوطني معلّقًا بين ميزانين: ميزان السلاح وميزان الدولة.

 

السلطة تُناور: والمأزق يتعمّق

منذ إعلان الحكومة تبنّي خطة الجيش لحصر السلاح بيد الدولة (درع الوطن)، بدا كأنّ لبنان بدأ يقترب من لحظة الحسم. لكنّ الاعتراضات الحزبية، وعلى رأسها اعتراض “الحزب”، كشفت أن مسار الدولة نحو السيادة ما زال محفوفًا بالمقاومة الداخلية لا بالمخاطر الخارجية.

فالخطر لم يعد فقط في الغارات الإسرائيلية التي تضرب الأراضي اللبنانية، بل في الفراغ السياسي الذي يمنح السلاح الموازي شرعية بحكم الأمر الواقع. والسكوت عن هذه المعادلة هو ما يُبقي لبنان رهينة دائمة في لعبة الأمم.

ولعلّ أخطر ما يواجه العهد اليوم هو محاولات الثنائي الشيعي تحويل النقاش الوطني إلى تفاصيل ثانوية وصراعات مفتعلة، في مسعى لإغراقه في القشور وحرف الأنظار عن جوهر المواجهة مع السلاح غير الشرعي. وفي قلب هذا التجاذب، يقف العهد أمام امتحان قدرته على كسر الحلقة المفرغة بين المراوغة والقرار، ليُترجم وعود الإصلاح إلى فعلٍ سيادي واضح يعيد للدولة موقعها الطبيعي.

كل الحديث عن “تعاون الحزب” مع الدولة ليس سوى محاولة لتجميل الواقع والالتفاف على جوهر الأزمة. فلو كان “الحزب” متعاونًا فعلًا، لسلّم خرائط دقيقة ومعلومات واضحة عن مخازنه وشبكاته ومواقع تخزينه، بدل أن تواصل الدولة منذ أشهر العمل بكل طاقتها لمحاولة الإمساك بزمام الأمور، فيما “الحزب” يجاهر بإعادة بناء قدراته وتسليحه. بهذه الممارسات، يكذّب “الحزب” الدولة ويضعها في موقع الضعف أمام المجتمع الدولي، فيظهر وكأنها شريك عاجز لا صاحب قرار. “الحزب” لا يتعاون، وعلى الدولة أن تصارح الناس بهذه الحقيقة بدل الخوف من بقايا نفوذه وسلاحه.

 

العهد الجديد بين الفرصة والمخاطر

الرئيس جوزيف عون يواجه تحديًا غير مسبوق: أن يحوّل موقع الرئاسة من سلطة رمزية إلى مشروع وطني يعيد الدولة إلى وظيفتها الأصلية. الدعم الدولي متاح، والغطاء الشعبي موجود، والجيش هو المؤسسة الوحيدة التي ما زالت تحظى بثقة اللبنانيين والعالم.

لكنّ هذا الرصيد يمكن أن يُفقد بسرعة إذا تحوّل التردد إلى تسوية جديدة. فالولايات المتحدة خصصت 230 مليون دولار دعمًا للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، لكنها وضعت أمام لبنان معادلة واضحة: الدعم مقابل الحسم. أي إن لا إعادة بناء للدولة من دون مواجهة بنية السلاح الموازي وتمويله، ولا إصلاح اقتصادي من دون كسر الاقتصاد الموازي الذي يمدّه بالاستمرار.

 

اقتصاد السلاح: الجبهة المخفية

لم يعد السلاح تهديدًا عسكريًا فقط، بل صار نظامًا اقتصاديًا موازياً يبتلع الدولة من الداخل. فالمؤسسات المالية الخارجة عن الرقابة الرسمية تُموّل جماعات مسلحة، وتعمل كاقتصاد ظلّ يتجاوز القانون والمصارف الشرعية. هذه الظاهرة لا تهدد المالية العامة فقط، بل تُقوّض فكرة الدولة نفسها.

أي خطة إنقاذ حقيقية تبدأ من فصل المال عن السلاح؛ إذ لا إصلاح نقدي ولا استقرار مالي ما دام اقتصاد الميليشيا يوازي اقتصاد الدولة. وإذا كانت الجبهة العسكرية واضحة في ميدانها، فإن الجبهة المالية هي الامتحان الأصعب في معركة استعادة الدولة، لأنها تمسّ جذور النفوذ ومصادر القوة الخفية التي أبقت مؤسساتها رهينة لاقتصاد الظلّ.

 

استعادة الدولة لا تحتاج إلى شعارات بل إلى قرار

المواطن اللبناني لم يعد يبحث عن شعارات أو خطب، بل عن قرار وطني شجاع. الفرصة أمام العهد الجديد قائمة، لكنها مشروطة بالجرأة على اتخاذ الخطوة الأولى: تنفيذ خطة الجيش، وفرض القانون، وتجفيف منابع التمويل غير الشرعي.

عندها فقط يمكن القول إن لبنان بدأ رحلة العودة إلى بناء المؤسسات الرسمية: دولة واحدة، بقرار واحد، وسلاح واحد.

في المحصّلة، ما يجري اليوم ليس سجالًا سياسيًا عابرًا، بل منعطفًا في تاريخ لبنان الحديث. إمّا أن يتحوّل العهد الجديد إلى بداية فعلية لاستعادة الدولة وبسط سيادتها، وإمّا أن يضيع في دوامة التسويات والمصالح التي عطّلت البلاد لعقود.

اللحظة حاسمة، والخيار واضح: إمّا دولة تُحكم بالقانون، أو دويلة تحكمها البنادق. ولبنان، في هذا المفترق، لا يحتاج إلا إلى قرار سيادي حاسم يعيد إليه هيبته، ويؤكد أن زمن تعدّد السلاح والقرار قد انتهى.

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل