#dfp #adsense

الانتشار اللبناني.. قراءة في جغرافيا الحلم والحنين

حجم الخط

الانتشار اللبناني

منذ فجر التّاريخ، وهذا الوطن يرسل قدموسًا تلو الآخر، يستعمر الأرض بحضارة، حين عرف الإلٰه فيه محورًا، والإنسان مشروع لقاء. منذ القرن الثّالث قبل الميلاد، وهذا الشّعب يرى ما وراء الأفق البعيد حلمًا ممكنًا، وهذا الممكن هو ما أبعد من الذّات، فصنع مركبًا للإلٰه، وأبحرا معًا، الواحد على ذمّة الآخر. ما عساهما في ارتحال دائم؟ وما زال الأحفاد على سيرة الأجداد. ألم تسع الأرض والسّماء ساكنيها؟ أهي طبيعةٌ فطروا عليها، أم هي لعنة القدر؟ ولٰكن مهما يكن، فأينما حلّوا، أصبح هناك وطن لا تغيب عنه الشّمس.

فبعد أن طوى لبنان عصر السّاحل الفينيقيّ، ومراكب الأرز، وأشرعتها المصبوغة بلون الأرجوان، من جبيل مبتكرة الحرف، إلى صيدا، مركز التّجارة الأولى، إلى صور مع الملك أحيرام وحفيدته الأميرة المهاجرة أليسار، ابنة الملك بيلي ـ بعل، وثمّ القائد البحّار حنّون بن هميلكار القرطاجيّ، مرّ بقرون من التّحدّي والمواجهة مع أعتى الغزاة والفاتحين من ملوك وأباطرة وقياصرة وسلاطين، حتّى بلوغ التّاريخ المعاصر.

أما اليوم، وفي الألفيّة الثّالثة بعد الميلاد، خمسون قرنًا من العولمة الصّغيرة تعبر إلى عولمة أكبر، أضحى فيها الوطن على مرمى حجر، وباتت المسافة عن الوطن الأمّ كبعد الرّئة عن القلب، فدعي هٰذا اللّبنانيّ في الانتشار بـ”رئتي لبنان” في الخارج.

في القرن السّابع عشر ميلادي، استيقظ لبنان، وكان الأمير فخرالدّين المعني الثّاني الكبير أميره أمير فينيقيا، حين أخذ مركبه ويمّم مبحرًا نحو توسكانة وإسبانيا والأراضي التابعة لها، فعاش فيهما خمسة أعوام، ثم عاد، وعاد معه لبنان أكبر ممّا كان.

هٰذا الأمير المغترب هو فاتحة تاريخ معاصر وعنوانٌ لقوّة الاغتراب اللبنانيّ. بعد أربعة قرون، أضحى اللّبنانيون في الانتشار خمسة أضعاف المقيمين في الوطن الأمّ، قوّة حرّة وقادرة ومتواصلة، عليها تعويلٌ كبيرٌ وأملٌ في استعادة ما قد فقد.

اللّبنانيّ في الانتشار اليوم هو كفؤ وجدير بالمشاركة في البناء والحكم. صوت المغترب، أو إذا صحّ القول المنتشر، اليوم، هو صوتٌ واع لكلّ الأمور، وهو مواطنٌ لبنانيٌّ لا غبار عليه. هو مواطن مثقّف، منتج وحضاريّ مخضرم، وله من الصّفاء لحبّ الوطن ما يبزّ به بعض مواطنيه على أرض الوطن الأمّ.

اللّبنانيّ في الانتشار هو قادر أن يغيّر الواقع اللّبنانيّ المتعثّر بلقمة العيش، والّذي ينوء بحمل أضحى أكبر من طاقته بكثير. هٰذا النّهر الهادر يبحث عن مصبّ، ولن يكون هٰذا المصبّ سوى قلب رحب بقدر الأماني، ويدين ممدودتين مفتوحتين بشوق لتضمّا ابنًا أضلّته قسوة الأيّام عن حضن والد وأمّ.

العالم اليوم أصبح قريةً صغيرةً، وبات التّنقّل بين المهجر وأرض الوطن كمن يتنقّل بين حيّ وحيّ آخر في نفس المدينة. حال لبنان اليوم كحال مغترب أضلّ طريق العودة، فدبّ النّسيان في كلّ شيء حتّى غدا الوطن كلّه شريدًا، وأصبح المنتشر هو ما تبقّى من الوطن.

هل يعود اللّبنانيّ إلى الوطن؟ سؤال، والجواب عليه ليس بالأمر السّهل. ولٰكن، لنقل: أيّ فريق من المنتشرين هو الّذي يمكن أن يعود؟، ومن هو المغترب الّذي يريد أن يعود إلّا إذا كان يحمل صفة “المنتشر”؟

حتّى الماضي القريب، كانت احتمالات العودة للعيش مجدّدًا في الوطن الأمّ شبه معدومة، وإذا حدثت هٰذه العودة، فلم تكن مشجّعةً للآخرين الّذين ما زالوا في الانتشار، وذٰلك بسبب الفوارق الّتي كانت بين الانتشار والوطن الأمّ.

أمّا اليوم، فوسائل الاتّصال بلغت حدًّا أقوى ممّا لو كان الأشخاص يعيشون في المدينة الواحدة، جعلت المسافات أقرب، والتّأقلم أسرع، والموافقة بين “هنا” و”هناك” أسهل، وبات الوطن، وكأنّه غرفةٌ أخرى في البيت الواحد.

إنّ الماضي يخبرنا أنّ الإنسان لا يرتحل عن أرضه في ظروف اعتياديّة، بل في ظروف لها دوافع. وعندما يستقرّ الإنسان في اغترابه، يبقى الحنين والذّكرى تلفّان معظم حياته، فيعيش ازدواجيّة الكيان والشّخصيّة، مهما تلبّس بالاستقرار والهناء والعيش الرّغيد. إنّ الإنسان شاء أم أبى، مكوّنٌ من تلك الصّفات، وإن تباينت بين شخص وآخر، أو مجموعة وأخرى، إلّا أنّ هٰذا الحال هو واقعٌ موجودٌ.

نحن المنتشرون، نعلم من خلال خبراتنا بالجاليات الأخرى، الّتي تشاركنا انتشارها أو اغترابها لربّما، أنّ العودة إلى الأوطان الأمّ هي من الأمور الّتي لن تحصل بالشّكل والعدد الّلذين حصلا عند المجيء منها، وبخاصّة عندما تكون البلدان المضيفة مستقرّةً وفيها كلّ مستلزمات الحياة الكريمة، على سبيل الذّكر: أستراليا، كندا، والولايات المتّحدة، المنتشر فيها هانئٌ وسعيدٌ، العودة من هٰذه البلاد غير واردة بشكلها الواسع، بالرّغم من بعض الاستثناءات.

الهجرة إلى البرازيل وأميركا الجنوبيّة أخذت وقتًا طويلاً حتّى تمكّن فيها المغترب آنذاك من الوصول إلى يسر مادّيّ يتيح له القدرة على تغيير موقعه، فكان قد مضى على المغترب زمنٌ أضحى في الجيل الثّالث أو الرّابع للهجرة، فأضحى الوطن عندها في الذّاكرة التّوراتيّة.

إنّ البلدان الأفريقيّة هي الوحيدة الّتي بدأ فيها المنتشر بالسّعي الجدّيّ للعودة إلى أرض الوطن، وذٰلك بسبب دوافع أمرّ من الّتي جعلته يترك الوطن الأمّ، حيث أنّ هٰذه البلدان الأفريقيّة، منذ فترة ليست بطويلة، بدأت تعاني من اضطرابات أمنيّة واقتصاديّة، حتّى أنّ في بعضها أتي على كلّ ممتلكات اللّبنانيين الّتي جنوها طيلة عقود من الزّمن.

ما هو المطلوب؟ أهو مال الاغتراب أم دعم الانتشار أم شراكةٌ حقيقيّةٌ لنكمل سويًّا هٰذا المسار؟ ماذا ينفع الوطن إذا أضحى السّواد الأعظم من المواطنين مهاجرًا ومغتربًا؟

صحيحٌ أنّ لبنان اليوم هو بحاجة لدعم ماليّ ومعنويّ، ولٰكنّ لبنان اليوم يعاني من كارثة في التّغيير الدّيموغرافيّ للوطن ككلّ.

لبنان اليوم يخضع لعمليّة تهجير وترحيل ممنهج، يستبدل شعبه بشعب آخر، وهٰذه هي آفة، يمكن أن تؤدّي بلبنان ككلّ إلى حالة من الاضمحلال، تبدأ على صعيد طائفة أو دين معيّن، لتنتقل إلى كلّ مكوّنات الوطن، وهٰذا تمامًا ما حدث مع الشعب الإسرائيلي عندما سباهم الآشوريّون والكلدانيون، فاستبدلت مدنٌ ومناطق بأكملها بشعوب أخرى أتت بها من أماكن مختلفة وبعيدة، كي يتسنّى لهم سهولة حكمها.

إنّ تداعيات الحرب السّوريّة على لبنان هي الأقسى بين كلّ الدّول المجاورة، وتأثيرها أقوى من تأثير نكبة الثّمانية والأربعين من القرن الماضي على أهل فلسطين. وما سوف تؤول إليه مفتوحٌ على احتمالات عديدة، كثيرٌ منها مخيفٌ وكارثيٌّ على صعيد تركيبة الوطن الدّيموغرافيّ والاجتماعيّ.

من الأسباب الرّئيسة لهجرة اللّبناني، هو عدم الشّعور بالأمن والأمان، ليس من الخارج فحسب، بل من الدّاخل أيضًا. وهٰذا ينعكس سلبًا على مناخ العمل، فيؤدّي إلى نسبة عالية من البطالة، عند اللّبنانيّ الّذي يرتكز بشكل أساسي على قطاع الخدمات السّياحيّة، الطّبّيّة، الثّقافيّة والفنّيّة أيضًا. وهٰذا عاملٌ مؤثّرٌ جدًّا على ثبات اللّبنانيّ في أرضه.

ما يحتاجه لبنان اليوم هو الوقوف بوعي كامل وجدّي على ما يجري حوله وفيه من متغيّرات كبيرة وخطيرة، وأن يبدأ بعمل جادّ وفعّال من أجل إيقاف النّزف البشريّ لأبنائه، وأن يشرع في تكوين أرضيّة، ولو صغيرة في البداية، قابلة للتّوسّع لاحقًا، كمثال هونغ كونغ أو سنغافورة، تكون نموذجًا صالحًا للدّيمومة والازدهار.

وعليه أن يسعى إلى استجلاب المقتدرين من أبنائه المنتشرين في العالم، ذوي القدرات الماليّة والخبرات، ضمن المواصفات النّاجحة، لا للسّياحة والاستجمام وحسب، بل من أجل تأسيس قاعدة حديثة مبنيّة على الشّفافيّة المسؤولة، ممّن لهم علاقاتٌ دوليّةٌ ناجحة. كلّ ذلك، لكي يتسنّى لنا مواكبة العصر، ومجاراة المحيط حولنا، المتوثب إلى أيّة فرصة متاحة للتّمدد والاستعمار.

نأمل أن نكون قد وفّقنا في تقديم نظرة واضحة وواقعيّة، وتسلسل لخبرة تاريخيّة اجتماعيّة، يساعدنا في بناء لبنان الغد المزدهر من جديد.

فرحات إلياس أبوسابا – ملبورن أستراليا

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل