.jpg)
أشارت دراسة علمية حديثة إلى أن النوم على الجانب الأيسر قد يكون أكثر فائدة للدماغ مما كان يُعتقد سابقاً، إذ يساعد هذا الوضع الجسم على تنشيط نظام فريد يُعرف بـ”الجهاز الغليمفاتي”، وهو شبكة من القنوات الدقيقة في الدماغ تعمل كآلية طبيعية للتنظيف الذاتي، تقوم بإزالة السموم والنفايات الناتجة عن النشاط العصبي خلال اليوم. هذه العملية تشبه ما يقوم به الجهاز اللمفاوي في باقي أنحاء الجسم، لكنها تحدث داخل الدماغ بشكل أكثر دقة وحساسية.
البحث الذي أُجري في جامعة ستوني بروك الأميركية استخدم تقنيات تصوير بالرنين المغناطيسي عالي الدقة لمراقبة تدفّق السوائل الدماغية في أدمغة الحيوانات أثناء النوم. النتائج أظهرت أن الوضع الجانبي، وخصوصاً على الجانب الأيسر، يسمح بانسياب السائل الدماغي الشوكي بشكل أكثر سلاسة مقارنة بالنوم على الظهر أو البطن. هذا السائل يعمل كمنظف طبيعي، إذ يلتقط الفضلات الكيميائية مثل بروتين بيتا أميلويد وتاو، المرتبطين بمرض ألزهايمر، ويطردها خارج الدماغ عبر مسارات دقيقة متصلة بالأوعية الدموية.
اللافت أن الدراسات أوضحت أيضاً أن النوم العميق هو اللحظة التي ينشط فيها هذا النظام إلى أقصى حد. ففي أثناء النوم، تنكمش الخلايا العصبية بنسبة تصل إلى 60 في المئة من حجمها الطبيعي، مما يوسّع المسافات بينها ويسمح للسائل الدماغي بالتحرك بحرية أكبر، كما لو أن الدماغ “يغسل نفسه” من بقايا التفكير والنشاط الذهني اليومي. ومن هنا، يصبح وضع الجسم أثناء النوم عاملاً إضافياً يسهم في كفاءة هذه العملية الطبيعية.
لكن لماذا الجانب الأيسر تحديداً؟ يرى العلماء أن التوزيع التشريحي للأعضاء الداخلية في الجسم يلعب دوراً مهماً. فالنوم على الجانب الأيسر يسهل تدفق الدم والسوائل اللمفاوية من الدماغ نحو القلب، لأن الجاذبية تساعد في تصريفها عبر الأوردة الوداجية التي تقع في هذا الجانب. كما أن المعدة والبنكرياس يكونان في وضع أكثر راحة في هذه الوضعية، ما يعزز الهضم ويقلل من ارتجاع الأحماض أثناء النوم، وهو ما ينعكس بدوره على جودة النوم واستقرار التنفس.
وتشير بعض الدراسات المساندة إلى أن الأشخاص الذين ينامون غالباً على الجانب الأيسر يتمتعون بانخفاض طفيف في خطر الإصابة باضطرابات معرفية أو خرف مع التقدم في العمر، مقارنة بمن يفضلون النوم على الظهر أو البطن. ورغم أن هذه العلاقة لا تزال قيد البحث ولم تثبت سببيتها بشكل قاطع، إلا أن المؤشرات تدعم فكرة أن الوضعية الجانبية تعزز صحة الجهاز العصبي على المدى الطويل.
من جهة أخرى، يحذر الأطباء من أن هذه الوضعية قد لا تناسب الجميع. فالأشخاص الذين يعانون من أمراض في القلب قد يُنصحون أحياناً بالنوم على الجانب الأيمن لتخفيف الضغط على عضلة القلب. كما أن الحوامل في مراحل متقدمة يُفضّل أن يلتزمن بالجانب الأيسر تحديداً لتحسين تدفق الدم نحو الجنين، وهي توصية شائعة تدعمها مبادئ فيزيولوجية مماثلة.
في نهاية المطاف، يُظهر هذا الاكتشاف أن النوم ليس مجرد راحة للجسد، بل هو عملية صيانة حيوية للدماغ نفسه. وبينما كنا نعتقد أن عقولنا تتوقف عن العمل أثناء النوم، يبدو أنها في الحقيقة تدخل في مرحلة تنظيف وصيانة دقيقة، تزيل خلالها بقايا الأفكار والمجهود العقلي. لذا، فإن اختيار وضعية النوم المناسبة، خصوصاً على الجانب الأيسر، قد يكون واحداً من أبسط وأذكى الخطوات للحفاظ على دماغ أكثر نقاءً وصحة في المدى البعيد — دون حاجة إلى أي دواء، بل فقط عبر طريقة نومك ليلاً.