#adsense

القهوة الباردة ليست مجرد موضة صيفية

حجم الخط

القهوة الباردة التي غزت المقاهي في السنوات الأخيرة ليست مجرّد موضة عابرة أو مشروب صيفي جذّاب، بل هي نتيجة لتطور علمي في فهم طريقة استخلاص القهوة وتأثير الحرارة على مركّباتها الكيميائية. فخلف طعمها الناعم ومذاقها المتوازن، تختبئ سلسلة من الفروقات العلمية الدقيقة التي تجعلها مختلفة تماماً عن القهوة الساخنة، سواء في الحموضة أو التركيب الكيميائي أو التأثير على الجسم.

طريقة تحضير القهوة الباردة، أو ما يُعرف بـ Cold Brew، تقوم على نقع البن المطحون في الماء البارد أو الفاتر لفترة طويلة تمتد بين 12 و24 ساعة، بدلاً من استخدام الماء المغلي كما هو الحال في القهوة التقليدية. هذا النقع البطيء يمنح الماء الوقت الكافي لاستخلاص الزيوت والعناصر العطرية من البن من دون إذابة الأحماض العضوية القاسية التي تظهر عادة عند درجات الحرارة العالية. النتيجة هي مشروب أكثر سلاسة، أقل حموضة، وأكثر استقراراً في النكهة.

دراسة أجرتها جامعة فيلادلفيا في الولايات المتحدة عام 2023 وجدت أن القهوة الباردة تحتوي على نسبة حموضة أقل بـ60% من القهوة الساخنة المعدّة من النوع نفسه من الحبوب. وهذا يجعلها ألطف على المعدة، خصوصاً للأشخاص الذين يعانون من حرقة أو اضطرابات هضمية. كما لاحظ الباحثون أن القهوة الباردة تحافظ على مستويات مضادات الأكسدة المهمة مثل الكافيين وحمض الكلوروجينيك، ولكن بطريقة أكثر توازناً، إذ يتم إطلاقها تدريجياً في الجسم بدلاً من الاندفاع المفاجئ الذي تسببه القهوة الساخنة.

أما من الناحية الطاقوية، فقد تبين أن القهوة الباردة لا تقل فعالية في تنشيط الدماغ، بل تتميز بتأثير أطول وأهدأ على الجهاز العصبي. الكافيين فيها يُمتص ببطء أكبر بسبب قلة الحموضة وغياب الحرارة، ما يؤدي إلى تركيز ذهني مستمر دون الشعور بالقلق أو الخفقان الذي قد يصاحب القهوة الساخنة لدى بعض الأشخاص. ولهذا أصبحت القهوة الباردة مفضلة لدى كثير من الطلاب والعاملين في المكاتب، لأنها تمنح طاقة ثابتة طوال اليوم من دون “انهيار الكافيين” المفاجئ.

ومن الناحية الذوقية، تحمل القهوة الباردة نكهات مختلفة تماماً. فبدلاً من النكهة المرة والمحمصة بشدة التي نربطها بالقهوة الساخنة، تظهر في القهوة الباردة ملاحظات فاكهية خفيفة مثل الكرز والكاكاو والفانيليا، وهي نكهات كانت تُفقد عادة بسبب حرارة التحضير العالية. لذلك يُقال إن القهوة الباردة تُظهر “شخصية البن” الحقيقية. ويعتمد عشّاقها على نوع الحبوب ومصدرها كما لو كانوا يتذوقون نبيذاً نادراً أو شوكولاتة فاخرة.

المثير أن القهوة الباردة ليست اختراعاً حديثاً كما يظن البعض، إذ تعود جذورها إلى اليابان في القرن السابع عشر، حيث كانت تُعرف باسم “القهوة الهولندية” لأنها وصلت عبر التجار الهولنديين إلى مدينة ناغازاكي. كانوا يعدّونها بالتنقيط البارد على مدى ساعات، ويحتفظون بها في أوعية زجاجية لتقديمها باردة في الصيف، تماماً كما تفعل المقاهي العصرية اليوم.

وتُظهر الإحصاءات أن مبيعات القهوة الباردة ارتفعت بأكثر من 300% في العقد الأخير في الولايات المتحدة وأوروبا، فيما باتت بعض الشركات تنتجها معبّأة في زجاجات أو علب ألمنيوم بتركيبات مختلفة، بعضها مضاف إليه الحليب أو النيتروجين لمنحها قواماً كريميّاً يشبه الجعة. ومع ذلك، يرى خبراء القهوة أن سرها الحقيقي يكمن في بساطتها: ماء بارد، وقت طويل، وصبر يسمح للنكهة بأن تنضج كما تنضج فكرة جميلة في ذهن كاتب.

في النهاية، القهوة الباردة ليست نزوة صيفية أو “ترند إنستغرامي”، بل تجربة حسّية وعلمية تثبت أن التغيير في الطريقة يمكن أن يخلق عالماً جديداً من المذاق والتأثير. إنها مثال رائع على كيف يمكن للتكنولوجيا والمعرفة أن تعيد اختراع أبسط العادات اليومية، وتجعل من فنجان القهوة رحلة مختلفة تماماً — باردة، لكنها مليئة بالدفء.

خبر عاجل