.jpg)
في اكتشاف علمي فريد، توصّل فريق من علماء الأحياء الأميركيين إلى أن دودة طفيلية مجهرية تُدعى Steinernema carpocapsae تستخدم الكهرباء الساكنة كوسيلة فعّالة لصيد فرائسها من الحشرات، مخاطِرةً بحياتها في كل محاولة.
ويُعدّ هذا الاكتشاف أول دليل تجريبي مباشر على أن الطفيليات يمكنها استغلال الشحنة الكهربائية الطبيعية التي تحملها الكائنات الأخرى كأداة مساعدة على الالتصاق بفريستها – أشبه بوسيلة “لاصقة كهربائية” في العالم المجهري.
قفزة بطول 25 ضعف الجسم
تعيش هذه الدودة الخيطية في التربة، وتعتمد على القفز لاصطياد الحشرات التي تتغذى عليها. ولتحقيق ذلك، تلتف حول نفسها لتكوّن حلقة، ثم تنفلت فجأة بقوة هائلة، لتقفز مسافة تعادل 25 ضعف طول جسمها خلال أجزاء من الثانية.
لكن هذه القفزة القصيرة تحدد مصيرها: فإذا نجحت في الالتصاق بالحشرة، تُطلق داخلها بكتيريا قاتلة تفتك بالفريسة خلال يومين، لتتحول جثتها إلى مزرعة غذائية وبيئة لتكاثرها. أما في حال فشل الالتصاق، تموت الدودة جوعاً.
تجربة مذهلة بالكهرباء
اختبر الباحثون من جامعة إيموري وجامعة كاليفورنيا في بيركلي هذه الفرضية من خلال تجربة فيزيائية دقيقة: تم تثبيت ذبابة فاكهة على سلك موصول بمصدر كهرباء عالي الجهد، فيما صُوّرت قفزات الديدان باستخدام مجهر عالي السرعة.
وأظهرت النتائج أن المجال الكهربائي شحن جسم الذبابة بشحنة موجبة، بينما اكتسبت الدودة شحنة سالبة، ما خلق قوة جذب كهربائية بين الكائنين، ساعدت الدودة على الالتصاق بالفريسة كما لو كانت مغناطيساً حياً.
بدون كهرباء، لم تنجح سوى دودة واحدة من أصل 19 قفزة في الالتصاق. لكن عند تطبيق جهد كهربائي بلغ نحو 880 فولطاً، ارتفعت نسبة النجاح إلى 80% — وهي النسبة نفسها تقريباً التي تحدث في الطبيعة عندما تولّد الحشرات شحنات كهربائية أثناء تحليقها في الهواء.
الرياح تساعد في الصيد
في تجربة إضافية داخل نفق هوائي، لاحظ العلماء أن تدفق الهواء ساعد الديدان على الانجراف نحو الفريسة، مما زاد من فرص نجاح الصيد، وهو ما يعكس تفاعل الفيزياء والكيمياء الحيوية في الطبيعة بدقة مدهشة.
وقال الفيزيائي ران جيانشان ران، أحد المشاركين في الدراسة:
“باستخدام الفيزياء، اكتشفنا طريقة مذهلة تستغل بها هذه الكائنات قوانين الكهرباء الساكنة في الصيد. نحن نضع الأساس لمجال جديد نسميه البيئة الكهروستاتيكية.”
خطوة نحو علم جديد
بهذا الاكتشاف، يؤكد العلماء أن النجاح في الصيد داخل العالم المجهري لا يعتمد فقط على السرعة أو السموم، بل أيضًا على القدرة على توظيف الطاقة الكهربائية الطبيعية التي تولدها الحشرات نفسها، في واحدة من أكثر استراتيجيات البقاء تطوراً في الطبيعة.