
أظهرت دراسة حديثة نتائج لافتة حول الفوائد الصحية والنفسية لامتلاك الحيوانات الأليفة، خصوصاً القطط والكلاب، لدى كبار السن. فبينما كان يُنظر إلى اقتناء الحيوانات الأليفة كوسيلة للتسلية أو كرفيق يخفف من الشعور بالوحدة، أثبتت الأبحاث العلمية أن التأثير أعمق بكثير من ذلك، إذ يمتد إلى تحسين وظائف الدماغ، خفض مستويات التوتر، وحتى تعزيز الصحة الجسدية بشكل عام.
تُشير الدراسة التي نُشرت على موقع «Verywell Health» إلى أن كبار السن الذين يعيشون مع حيوانات أليفة يتمتعون بوظائف إدراكية أفضل من غيرهم، حيث أظهرت البيانات أن أصحاب الكلاب يتمتعون بذاكرة أكثر حدة، بينما أظهر أصحاب القطط أداء لغوياً أفضل وقدرة أعلى على التركيز. الباحثون في جامعة ميشيغان حللوا بيانات آلاف المشاركين الذين تراوحت أعمارهم بين الخمسين والتسعة والتسعين عاماً، ووجدوا أن التفاعل اليومي مع الحيوانات الأليفة يمكن أن يُحدث فرقاً ملموساً في معدلات التدهور المعرفي.
تفسير العلماء لهذه الظاهرة يعود إلى عوامل نفسية وفسيولوجية متداخلة. فالحيوان الأليف يُعزز الإحساس بالمسؤولية، إذ يحتاج إلى رعاية وإطعام وتنظيف ونزهات منتظمة، ما يحفز النشاط الجسدي لدى كبار السن ويمنحهم روتيناً يومياً يقي من الشعور بالفراغ أو العزلة. كما أن وجود كائن حي يعتمد على صاحبه يُنشئ رابطاً عاطفياً قوياً يُفرز معه الجسم هرمونات السعادة مثل الأوكسيتوسين والسيروتونين، وهما هرمونان معروفان بتأثيرهما الإيجابي على المزاج وتنظيم ضغط الدم والنوم.
ومن المثير أن هذه الفوائد لا تقتصر على الجانب النفسي فحسب، بل تمتد إلى الصحة الجسدية. فقد بيّنت دراسات طبية أن أصحاب الكلاب، على وجه الخصوص، يمشون يومياً بمعدل يزيد بنحو 30% عن أقرانهم الذين لا يملكون حيوانات أليفة، ما يساهم في الحفاظ على صحة القلب والأوعية الدموية. كذلك، وُجد أن معدلات الاكتئاب والقلق أقل بين كبار السن الذين يربّون حيوانات، نتيجة للتفاعل الحسي والعاطفي المستمر الذي يوفره الرفيق الحيواني.
أما بالنسبة للقطط، فوجودها داخل المنزل يخلق بيئة هادئة ومريحة نفسياً، إذ يساعد مواؤها وحركاتها الهادئة على خفض مستوى الكورتيزول، وهو الهرمون المرتبط بالتوتر. كما أن العناية بها لا تتطلب مجهوداً بدنياً كبيراً، ما يجعلها خياراً مثالياً لكبار السن الذين يعانون من ضعف الحركة أو أمراض مزمنة. وقد أظهرت أبحاث أن مجرد مداعبة القط يمكن أن تُخفض معدل ضربات القلب وتُحسن المزاج بشكل فوري، وهو ما يجعلها أداة علاجية غير مباشرة لكثير من الحالات النفسية الخفيفة.
من جهة أخرى، تلعب الحيوانات الأليفة دوراً اجتماعياً بالغ الأهمية. فالمسن الذي يخرج يومياً لتمشية كلبه، على سبيل المثال، يتفاعل مع الجيران أو مع أشخاص آخرين يملكون حيوانات مشابهة، ما يقلل من خطر العزلة الاجتماعية التي تُعتبر عاملاً رئيسياً في تدهور الحالة النفسية لكبار السن. كما أن وجود الحيوان في المنزل يخلق شعوراً بالدفء والانتماء، وهو إحساس أساسي في مراحل الحياة المتقدمة حيث يفقد الكثيرون شركاءهم أو يعيشون بعيداً عن أبنائهم.
لا يعني ذلك أن تربية الحيوانات الأليفة تناسب جميع المسنين دون استثناء، إذ يجب أخذ قدراتهم الجسدية والصحية بعين الاعتبار، إضافة إلى وجود الدعم من الأسرة أو مقدمي الرعاية. لكن من الواضح أن الفوائد المحتملة تفوق بكثير المتاعب البسيطة المرتبطة بالرعاية اليومية. فالرفيق الحيواني لا يمنح فقط لحظات من المتعة أو الحب غير المشروط، بل يمكن أن يكون أحد مفاتيح الشيخوخة الصحية والعقل النشط.
في النهاية، يمكن القول إن العلاقة بين الإنسان والحيوان تتجاوز كونها صداقة بسيطة، لتصبح نوعاً من العلاج الطبيعي الذي يجمع بين الحركة والعاطفة والعناية. امتلاك كلب أو قط ليس مجرد ترفٍ أو عادة اجتماعية، بل يمكن أن يُعتبر استثماراً في الصحة النفسية والعقلية والجسدية للمسنين، إذ يعيد لهم معنى المسؤولية والارتباط بالحياة ويمنحهم طاقة إيجابية تُمكّنهم من مواجهة التقدم في العمر بروح أكثر إشراقاً وطمأنينة.