اشتهر الرئيس نبيه برّي بمهارته في ممارسة السحر وألاعيب الخفّة “السياسية”، وبقدرته على استخراج التسويات والبدع من تحت قبعته، على طريقة الساحر “ميكي”. فهو يلعب تارةً دور “الخصم” وطورًا دور “الحكم” في الوقت نفسه، ويضع حينًا قبعة رئيس حركة “أمل” وحينًا آخر قبعة رئيس مجلس النواب، منتظرًا من جميع الفرقاء أن يستسلموا لـ”قضائه وقدره”.
لكنّ هذه المرّة ليست كسابقاتها، إذ جرّدته “القوات اللبنانية” من أدوات السحر وألعاب الخفّة، بعدما حاصرته بأكثرية نيابية رافضة لمنطق “البلطجة”، المتمثّل في رفضه إدراج اقتراح القانون المعجّل المكرّر الذي تقدّم به 67 نائبًا يمثّلون أكثر من نصف أعضاء المجلس، والقاضي بإلغاء المادة 112 من قانون الانتخابات النيابية، في سابقة تعبّر بوضوح عن ازدراء رئيس المجلس لإرادة أعضائه.
في كلّ مرة يُثار فيها النقاش حول دور المغتربين اللبنانيين غير المقيمين في الانتخابات اللبنانية، يتصدّر برّي المشهد بخطابٍ مشحونٍ بالتهويل الطائفي، يحاول من خلاله الدفاع عن احتكاره للتمثيل الشيعي وتطويع الدستور بما يخدم منظومته السياسية. وهو يعتبر أنّ تصويت المغتربين غير المقيمين للمرشحين في دوائر نفوسهم، يؤدّي إلى “عزل الطائفة الشيعية الكريمة”، فيما ممارساته وحليفه “الحزب” ليست سوى استمرارٍ لنهجٍ يقوم على مصادرة هوية الطائفة وربطها بسلطة “الثنائي الشيعي”، كأنّ الشيعة في لبنان والاغتراب ليسوا إلا جمهورًا واحدًا تحت وصايته.
إنّ هذا الأداء يختصر الطائفة الشيعية في شخصين أو حزبين، ويتجاهل التنوّع داخلها من يساريين ومستقلّين وعلمانيين ووطنيين لا يجدون أنفسهم في خطاب “الثنائي”. وبالتالي، فإنّ حديث برّي عن “العزل” ليس إلا وسيلةً للتهويل يخفي وراءها خشيته من أن يكشف تصويت المغتربين حجم التراجع الشعبي الحقيقي داخل طائفته، ما قد يؤدّي في الانتخابات المقبلة إلى كسر “البلوك” الشيعي المتمثّل بـ”الثنائي”، وإقصاء برّي عن رئاسة المجلس. علمًا أنّ حرمان المغتربين غير المقيمين من التصويت لـ128 نائبًا من أماكن وجودهم في بلدان الانتشار، لا يحرم فقط شريحة واسعة من الشيعة الأحرار الذين لا يصوّتون للثنائي، بل أيضًا المسيحيين والسنّة والدروز الذين يشكّل المنتشرون نسبة وازنة من قواعدهم الانتخابية.
إذًا، يخوض برّي معركة وجود في الدفاع عن موقعه في رئاسة المجلس أولًا، ومعركة الوصاية على القرار الشيعي من خلال الحفاظ على “البلوك” النيابي باسم الثنائي الحزبي، خوفًا من خروج قرار الدولة من تحت عباءة هذا الثنائي وإيران التي تقف خلفه. وهذا ما يبرّر حملته، وحملة تلفزيونه، ضدّ “القوات اللبنانية” ورئيسها سمير جعجع.
حاول برّي كسر “القوات” وحلفائها من خلال عقد جلسة تشريعية من دون مناقشة القانون المعجّل المكرّر المتعلّق بالمغتربين غير المقيمين، لكنّ أكثرية النواب وقفت إلى جانب “القوات”، ملقّنةً رئيس المجلس “المستبدّ” درسًا لن ينساه. علمًا أنّ إنجاز الأمس ليس الدرس الأول ولن يكون الأخير، بل ستتبعه جولات وجولات إلى أن يتحرّر المجلس النيابي من تصرّفاته الشاذة التي لم يعد جائزًا السكوت عنها. والأنظار اليوم تتّجه إلى مجلس الوزراء لإحالة مشروع القانون الذي قدّمه وزير الخارجية يوسف رجّي، والرامي إلى تعديل قانون الانتخابات استكمالًا لضمان اقتراع المغتربين لـ128 نائبًا، إلى مجلس النواب.
والمفارقة أنّ برّي حاول استخدام شتّى الوسائل، وبعضها “تحت الحزام”، في مواجهة “القوات”، كنبش قبور الحرب على الطريقة العونية، إلا أنّه نسي أنّه أحد أمراء الحرب، وأنّ سمعته وسمعة حزبه لطالما تلوّثتا بالوشاية والعمالة لنظام البعث السوري، وبالتعطيل المذهبي الممنهج للمؤسسات، والفساد المترامي على مساحة الوطن.
وإذا كانت “القوات” قد شاركت في حربٍ فُرضت عليها وكانت مقاومةً ضدّ الاحتلالات المتتالية من الفلسطيني إلى السوري، فإنّ تاريخ برّي وحركته بعد اختفاء الإمام موسى الصدر، الحريص على العيش المشترك، لا يُشرّف بتاتًا. فعندما اندلعت الحرب اللبنانية، بقيت حركة “أمل” بقيادة الصدر خارج الصراع، لكنّ برّي، عندما تولّى قيادتها عام 1980، لم يتردّد في التورّط في الحرب. وللحقيقة والإنصاف، فهو لم يُقاتل إلا شركاءه في الوطن من مسيحيين ومسلمين، فخاض حروبًا متنقّلة ضدّ “الكتائب” و”القوات” من جهة، وضدّ “الحزب التقدمي الاشتراكي” و”الحزب” من جهة أخرى، ولم يسلم منه الفلسطينيون الذين لم ينصفهم إلا بالشعارات!.
بعد اتفاق الطائف عام 1992، وبفضل دعم الاحتلال البعثي الأسدي السوري غير المحدود، تحوّل برّي من أحد أمراء الحرب المتورّطين في دماء اللبنانيين إلى رئيسٍ لمجلس النواب بعد مرحلة الرئيس حسين الحسيني. لكنّ برّي، على مدى سنوات حكمه، أثبت أنّ عقليته ميليشياوية بحتة، مرتكزًا على “حرس المجلس” الذين كان معظمهم من مقاتلي حركة “أمل” خلال الحرب، وهم يتبعون له مباشرة، يحدّد رتبهم من دون نظام واضح، فيما يتلقّون رواتبهم من خزينة الدولة. وعندما اندلعت الثورة في لبنان، ظهر كيف استشرس عناصر الحرس في وجه الثوار، فضربوهم بوحشية وأحرقوا خيمهم مرّات عدّة، متسبّبين بعشرات الجرحى.
بقوّة الأمر الواقع و”الزعرنات”، تمكّن برّي من إحاطة نفسه بهالة “العظماء” الذين يُمنع الاقتراب منهم أو ذكر مساوئهم وفسادهم. فمن كان يسكن شقّةً متواضعة في بربور، أصبح من أصحاب المليارات، يمتلك آلاف الأمتار في الجنوب ومشاريع لا تُحصى.
قاد برّي حركة “أمل” وتحكّم بها على الأرض، كما تحكّم بالمجلس النيابي على مدى ثلاثة عقود، ليصبح الثابت الوحيد في المعادلة اللبنانية المتقلّبة. فهو من كرّس نظام المحاصصة الطائفية، ويحارب بكلّ ما أوتي من قوّة لمنع قيام نظام جديد. بل يُعتبر رمزًا للنظام الفاشل في لبنان، ويمثّل كلّ ما هو خطأ في سياسات البلاد، ما أدّى إلى الشلل السياسي والانهيار الاقتصادي وسوء الإدارة المتفشّي الذي سمح بحصول انفجار مرفأ بيروت المدمّر عام 2020.
يتحالف برّي مع “الحزب” برعايةٍ إيرانية، ويرى في هذا التحالف “حاجةً استراتيجية” للطائفة الشيعية، من خلال وضعها في تصرّف إيران. وهنا تكمن خطورة برّي، الذي يرفع شعار “نهائية الكيان اللبناني” في أدبيات حزبه، فيما يتماهى في الواقع مع مشروع “الحزب” المذهبي الاستكباري، ما جرّ على الطائفة الشيعية المآسي والويلات والحزن.
أمّا إدارته لمجلس النواب فحدّث ولا حرج، إذ تحوّل المجلس معه من سلطةٍ تشريعية تمثّل الأمة جمعاء وترعى مصالح الشعب اللبناني، إلى رهينةٍ في يده، يتصرّف بها كأنّها ملكية خاصة، يفتح أبوابها ويغلقها متى شاء، ويقرّر ما يُناقَش وما يُدفَن في الأدراج. وهذه الممارسات لم تعد مجرّد تجاوزٍ للأصول، بل انقلابًا موصوفًا على الدستور والنظام الداخلي والأعراف ومبدأ الفصل بين السلطات، وضربًا صارخًا لإرادة الشعب اللبناني الذي أوكل إلى المجلس سلطة التشريع والرقابة، لا سلطة التعطيل والاستنساب.
من هنا جاءت انتفاضة “القوات” الحالية على برّي، ويكفي أنّها تجرّأت على معارضة انقلابه على الدستور والنظام الداخلي للمجلس، وقد لاقاها بعض النواب الحلفاء في وقفة عزّ وكرامة ليقولوا: كفى لهذا الاعوجاج السياسي المستمر منذ ثلاثين عامًا. والمعركة لن تتوقّف إلا بتحرير المجلس النيابي من هذه الممارسات، إذ إنّ هناك معارضةً كبيرة إلى جانب “القوات” لمست خطورة الواقع، وعدم انسجامه مع العهد الجديد الذي يرأسه العماد جوزيف عون، ومع المتغيّرات الكبيرة في لبنان والمنطقة. خصوصًا أنّ المجلس النيابي الجديد الذي سيُنتخب في أيار 2026 سيحدّد الاستراتيجية السياسية المقبلة للبنان، والتي لا يجوز أن يبقى فيها البلد رهينةً في يد “الحزب”، ضاربًا بعرض الحائط إرادة اللبنانيين الرافضين لربط أمنهم وعيشهم بالسياسة الإيرانية وبحروب المنطقة التي لا مصلحة للبنان في البقاء ضمن دائرتها.
يمكن القول إنّ “القوات اللبنانية” والشعب اللبناني والحقّ انتصروا على تجاوزات برّي وأخطر مظاهر التعسّف.

.jpg)