#adsense

لبنان… ثمن التنكّر للحقائق الجيوسياسيّة سيكون باهظاً!

حجم الخط

صحيفة النهار – علي حمادة

 

كما توقعنا يوم أمس، ما إن غادرت المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس بيروت حتى عاد التصعيد العسكري الإسرائيلي. بداية عبر توغلات برية في قرى محاذية للحدود حيث قتل في أحدها موظف مدني يعمل في مبنى بلدية إحدى القرى برصاص الجنود الإسرائيليين، ثم قام سلاح الجو الإسرائيلي بسلسلة غارات على مواقع قال إنها تضم بنى تحتية عسكرية لـ”الحزب”.

 

عملياً غادرت المبعوثة الأميركية لبنان من دون أن يتغير أي شيء بالنسبة إلى الوضع المتوتر بين إسرائيل و”الحزب”. ومن خلال مسارعة إسرائيل إلى استئناف هجماتها على أهداف تابعة للحزب المذكور، يمكن الاستنتاج أن زيارة أورتاغوس سمحت لها بالاطّلاع على مواقف المسوؤلين اللبنانيين، وفي مقدمهم رئيس الجمهورية جوزف عون المولج بمتابعة تنفيذ التزامات لبنان الأمنية أمام المجتمع الدولي. وأهم الالتزامات هو نزع سلاح “الحزب” بالكامل في مهلة لا تتعدى نهاية العام الجاري. وبما أن إسرائيل لم تنتظر طويلاً لكي تستأنف الهجمات التي كانت قد علّقتها خلال مدة زيارة مورغان أورتاغوس، فمعنى هذا أن لبنان الرسمي يسير في مسار معاكس لما هو مطلوب منه دولياً وإقليمياً، أو أنه في أقل تقدير لا يسير بالسرعة المطلوبة منه لكي ينجز ما يقع على عاتقه من خطوات تؤدي إلى نزع سلاح “الحزب” بالكامل بنهاية المدة المحددة للدولة اللبنانية.

 

وللدلالة على صحة ما نقوله هنا يكفي النظر إلى ما ورد في البيان الذي صدر يوم أمس عن السفارة الأميركية في بيروت، حيث نقل عن أورتاغوس قولها خلال اجتماع لجنة الإشراف على وقف الأعمال الحربية “الميكانيزم”: “إننا نواصل متابعة التطورات في لبنان ونرحب بقرار الحكومة وضع كل الأسلحة تحت سيطرة الدولة بحلول نهاية العام”. وأضافت: “يتعيّن على الجيش اللبناني تنفيذ خطته بالكامل”.

 

كلام أورتاغوس يعكس بطبيعة الحال موقف الإدارة الأميركية وقراءتها لما يعنيه حصر السلاح بيد الدولة. كما يعكس أيضاً فهم واشنطن للمهل الزمنية الممنوحة للجيش اللبناني لإنجاز المهمة. والأهم أنه يعكس موقفاً أميركياً يتجاوز مسألة المراحل الخمس التي تضمنتها خطة الجيش لحصر السلاح بيد الدولة، والتي جرى تقديمها في 5 أيلول/سبتمبر الماضي، في محاولة من المستوى السياسي اللبناني للاختباء خلف المرحلة الأولى التي تقتصر على حصر السلاح في منطقة عمليات قوات “اليونيفيل” جنوب نهر الليطاني في الجنوب. أما المراحل الأربع المتبقية التي ظلت مبهمة وغامضة، فمتروكة لمداولات لاحقة، ما يعني أنه سيكون من المستحيل أن يتم إنجاز المهمة بحلول نهاية العام كما تقول الولايات المتحدة!

 

انطلاقاً من هذه المعطيات، ليس مستغرباً أن تعاود إسرائيل هجماتها في لبنان من دون أن تحاول أميركا منعها من ذلك. والسبب واضح وهو أن دعم الدولة في عملية استعادة سيادتها على كامل الأراضي اللبنانية لا يعني منحها ترف اللعب على عامل الوقت بلا سقف. كما أن التقارير الاستخباراتية تشير إلى أن “الحزب”، بقرار ودعم من إيران، يسرّع الخطى لترميم قدراته العسكرية شمال نهر الليطاني مستغلاً عجز الدولة أو تراخيها في انتهاز الفرصة التاريخية التي أتيحت لها من أجل أن تصبح دولة حقيقية. وواضح أن الجملتين اللتين نقلتا عن أورتاغوس في بيان السفارة الأميركية في اليوم الأخير من زيارتها بعد اجتماع لجنة “الميكانيزم”، وردتا أيضاً بنهاية جولتها على المسوؤلين الكبار في الدولة. أي أن المبعوثة الأميركية أوضحت بما لا يترك مجالاً لأي التباس، أن الموقف من الجيش اللبناني إيجابي جداً لناحية أدائه الميداني في المنطقة التي يقوم فيها بنزع السلاح، ولا ينسحب بالضرورة على تقييم واشنطن لأداء الدولة في ما يتعلق بالملف برمّته. وبالتالي، فإنه من الطبيعي عودة التوتر الأمني في الجنوب والبقاع كمرحلة أولى لكي يتزامن الضغط الأمني مع الضغط السياسي على لبنان الرسمي لدفعه إلى الخروج من حالة الخوف والهلع التي يتذرع بها، لجهة إمكانية حدوث أعمال شغب شعبية من قبل مناصري “الحزب” لمنع الجيش من تنفيذ مهمته، وصولاً إلى حد حدوث انقسام في صفوف الجيش نفسه.

 

وكان لافتاً ما جاء في تقرير مطوّل نشرته وكالة “رويترز” قبل أيام حيث نقلت وجهة نظر لمسؤولين أمنيين لبنانيين أبدوا خشية من تعرض جمهور “الحزب” وعناصره للجيش اللبناني إذا ما حاول الشروع في نزع السلاح شمال نهر الليطاني. ويحتمل أن يكون هدف تسريب هذه المعلومات أو التقديرات عبر “رويترز” تزامناً مع وصول مورغان أورتاغوس إلى لبنان يوم الإثنين الماضي، دعم وجهة نظر جهات رسمية لبنانية رفيعة المستوى كانت أورتاغوس ستقابلها خلال جولتها.

 

إن المشهد اللبناني الراهن يكشف عن دولة معلّقة في انتظار “غودو”! فاللعب على عامل الوقت في التفاوض والتحاور مع “الحزب” إلى أن يتخذ قراراً بالامتثال إلى القانون ويقبل الخضوع لسيادة الدولة، ليس أكثر من وهم كبير يتمسّك به المسؤولون اللبنانيون. لذلك كله نعتقد أن المرحلة المقبلة ستشهد اهتزازات أمنية كبيرة وخطيرة إلى أن يقتنع “الحزب” وراعيه الإقليمي، أي إيران، بأن لا مهرب من إنهاء وظيفة الحزب الأمنية والعسكرية التي بوجودها لن تكون هناك دولة في لبنان، وربما لن يكون هناك لبنان نفسه!

 

المصدر:
النهار

خبر عاجل