.jpg)
“نحن في بوز الخطر”. هذه هي العبارة التي لخّص فيها رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع الوضع القائم حاليًا، سياسيًا، عسكريًا واقتصاديًا، تكتيكيًا واستراتيجيًا، منطلقًا من الوقائع الحالية التي أوقع نفسه فيها “الحزب” المتباهي باستعادة عافيته، واستمرار احتفاظه بعناصر قوته جنوب وشمال الليطاني، مهددًا متوعدًا اللبنانيين قبل الإسرائيليين بوهج وفعالية تلك العافية وهذه القوة… كما انطلق جعجع من عبارته التحذيرية الاستباقية من سيناريو 2023 ـ 2024 المتكرر، الذي أدى الى ما أدى وأودى بمن أودى…
تأكيدًا على عدم تعلّم “الحزب” من تجاربه ومعاناة بيئته وإضعاف هيكلته وإدراك مدى خطورة اختراقه من أعدائه، من المفيد العودة الى المرحلة التي سبقت قبول “الحزب” بوقف إطلاق النار وقبل القضاء على نصرالله وفي حرب البأس والإسناد وما سبقهما.
في مقابل تباهي “الحزب” في الـ2025، مهددًا باستعادة قوته أفضل مما كانت قبل الإسناد، نستعيد مشهد المناورة العسكرية التي أجراها “الحزب” أمام الإعلام العالمي في منطقة الريحان في 21 أيار من العام 2023، والتي كانت تحاكي عملية اختراق الجليل واحتلال مستوطنات إسرائيلية انسجامًا مع تأكيدات مسؤولي “الحزب” الراحلين ومن تبقى منهم… لتبدأ في 8 تشرين الأول من العام 2023 عمليات “الحزب” في الإسناد والإشغال مع تسمية الذين يسقطون في تلك العمليات “شهداء على طريق القدس”، لينكشف “الحزب” آنذاك أمام التفوق الإسرائيلي العسكري والاستخباري والتقني والفني، بغير ما اشتهت رياحه وبعكسها، مع التنويه أن الإسرائيلي مستمرٌ في استهدافاته و”الحزب” متمادي في إنكاره المتمركز في بوز الخطر غير مبالي بالدخول في عمقه وعنقه…
بعد ذلك، بدأت سلسلة لم تنتهِ من الاستهدافات، من دون أن ينتبه لها “الحزب” كمؤشرات. ففي 2 كانون الثاني من العام 2024 قامت إسرائيل بالقضاء على القيادي في حركة ح. والمسؤول عن التنسيق والتواصل مع “الحزب”، صالح العاروري، في المشرفية في قلب الضاحية الجنوبية.
وفي 8 كانون الثاني من العام 2024، استهدفت إسرائيل وسام حسن طويل (الحاج جواد) وهو أول قائد عسكري من السلسلة، في سيارته قرب منزله في خربة سلم في منطقة صور، وهو كان يتولّى قيادة محور صور في قوة الرضوان.
في 11 حزيران من العام 2024 استهدفت طالب سامي عبد الله (الحاج أبو طالب) قائد وحدة النصر المسؤولة عن القطاع الشرقي، والذي أشرف على العديد من العمليات العسكرية ضد إسرائيل وقيل إنّه كان مسؤولًا عن المسيّرات. قضى في غارة على منزل يجب أن يكون مقرّ قيادة سرّيًا في بلدة جويّا، وهو كان ضمن قادة الصف الأول في “الحزب” وقُتل معه كل من: محمد حسين صبرا، علي سليم صوفان، حسين قاسم حميّد.
واستُهدف أيضًا محمد نعمة ناصر (الحاج أبو نعمة) الذي كان قائد وحدة عزيز في قوة الرضوان المسؤولة عن القطاع الغربي، في 3 تموز 2024 في سيارته بصاروخ أطلقته مسيّرة في صور.
في 30 تموز من العام 2024، قُضيَ على فؤاد شكر (السيّد محسن) المسؤول العسكري المركزي في “الحزب”، في منزله في حارة حريك قرب مقرّ قيادة “الحزب” ونصرالله، وكان عضوًا في المجلس الجهادي.
أجهزت إسرائيل على إبراهيم عقيل، في 20 أيلول من العام 2024 بصاروخين أطلقتهما طائرة حربية على مقر غرفة العمليات الخاصة في منطقة الجاموس في الضاحية الجنوبية لبيروت. قيل إنّه كان يعقد اجتماعًا لقيادات الرضوان لدرس عملية نوعية للردّ على تفجيرات أجهزة البيجر في 17 أيلول، ودرس إمكانية الدخول إلى الجليل بطلب من نصرالله، ولكن يظهر أن إسرائيل كانت تعلم بمكان الاجتماع وبتوقيته وبمن يحضره، فقُتِلوا جميعهم وكانوا يشكّلون المستوى القيادي الأول في جميع الاختصاصات العسكرية.
في 24 أيلول من العام 2024، اغتالت اسرائيل ابراهيم قبيسي (الحاج أبو موسى) الذي كان مسؤول وحدة بدر شمال نهر الليطاني، وقائد منظومة الصواريخ والقذائف، بغارة جوية في الغبيري في الضاحية.
قضت اسرائيل في 26 أيلول من العام 2024 على محمد حسين سرور (الحاج أبو صالح) قائد تنفيذ المخططات الجوية بالمسيرات وصواريخ الكروز والطائرات من دون طيار التي استهدفت الجبهة الشمالية لإسرائيل، في غارة على مبنى سكني في حي القائم في الضاحية الجنوبية.
قد يكون المؤشر الأخير الذي لم يره “الحزب” أيضًا دليلًا الى مدى اختراقه قبل استهداف نصرالله، الضربة الأكبر التي وجهتها اسرائيل لـ”الحزب” في 23 أيلول من العام 2024، عندما نفّذت أكثر من 1500 غارة دمّرت خلالها معظم منصّات إطلاق الصواريخ والمخازن والمقرّات، قيل يومها إنّ هذه الضربة كانت استباقية لضربة كان يحضّر لها “الحزب” للردّ على اغتيال ابراهيم عقيل مع قادة الرضوان. ونتيجتها كانت الدافع الذي جعل نصرالله يوافق على هدنة 21 يومًا قبل يومين من اغتياله في 27 أيلول من العام 2024، بحسب المعلومات التي وردت عن إعلاميي “الحزب” ومسؤوليه.
ويروي رئيس تحرير جريدة “الأخبار” ابراهيم الأمين عن هذا الاختراق الكبير “المؤشر”، في مقال له عن السيد هاشم صفيّ الدين في 4 تشرين الأول من العام 2025، في الذكرى الأولى لاغتياله:..”يوم قرّر الحزب الرد على اغتيال شكر، صار نقاش كبير حول الأمر، وحول الطريقة ربطًا بتقدير الحزب للأمور عسكريًا وسياسيًا. وبعد تنفيذ العملية (عملية يوم الأربعين) أواخر آب من العام 2024، انتقل السيد هاشم مثل بقية قيادة الحزب، إلى مستوى جديد من الإجراءات الأمنية. صارت اجتماعاته محصورة في مناسبات محدّدة وفي أمكنة مختلفة أيضًا. حتى إجراءات الأمن الخاصة به، تمّ تعديلها بشكل ملحوظ… قبل أيام قليلة من عملية البيجر، التقينا في مكان جديد لم أزره من قبل. كان السيد هاشم مهجوسًا بالجانب الأمني من المعركة… وفي معرض شرحه، تطرّق السيد هاشم إلى عملية يوم الأربعين التي حصلت ردًّا على اغتيال شكر، استنفرت كلّ حواسه وهو يقول: تعرف، لقد اتخذنا إجراءات دقيقة جدًّا في اختيار العمل، واتفقنا على آلية تسليم القرار التنفيذي إلى المعنيين. ورتبنا كل شيء بطريقة خاصّة، بما في ذلك تحديد الساعة والدقيقة التي تقرّر أن تنطلق فيها الصواريخ والمسيّرات. تمّ تضييق دائرة المطّلعين على التوقيت الفعلي، ثمّ اعتمدنا آلية جديدة لإيصال القرار إلى المعنيين بالتنفيذ. كنا نفترض أنّه سيكون من الصعب على العدو فهم ما يحصل بالضبط. صحيح، أنّ العدو أظهر لنا عن قدرات رقابة تقنية عالية جدًّا، وهو ما كنا فهمناه جرّاء عمليات اغتيال الكوادر والمقاتلين خلال حرب الإسناد. لكن، ليس عندنا ما يحسم الجدل حول الاختراق البشري… فجأة يصمت السيد هاشم ليُضيف: لكن، يبدو أن العدو علِم بالتوقيت الدقيق للعملية… كيف حصل ذلك”؟…
.jpg)