
في نفوس “شركاء” في الوطن، كره لكل ما هو لبناني وانتقام دفين لكل ما يعيد الى الذاكرة الجماعية، هويتنا وثقافتنا وتاريخنا. في نفوس “شركاء” في الوطن، غضب متجذّر من هذا اللبنان الجميل، الذي يجسد كل قيمنا، على الرغم من كل الاختلافات.
علم لبناني، يستفز مجموعة من الناس في الجنوب. نعم، هم ليسوا بمواطنين ولا يأبوه الى أي انتماء إلا الى انتماءاتهم الخارجية وارتباطاتهم خلف البحار. يدّعون الدفاع عن لبنان، وعلم لبنان المرفوع لا يحتملون صورته.
يهددون إسرائيل ويتحدون إرادة شعب بأكمله، لكنهم لا يخجلون من التنكيل بالعلم وإهانته. هي ثقافة؟ طبعًا، هذه ثقافة من يكره نفسه قبل أن يكره أي شيء آخر، وفي النهاية يتباكون على وطن حطّموه ودمّروه ونهشوه.
القصة تعود الى ساعات قليلة مضت، إذ رفع الإعلامي محمد بركات علم لبنان فوق سطح منزله في بلدته رب ثلاثين الجنوبية، فقامت القيامة ولم تقعد. تهديد، تخوين، تنمر… وحملة شاسعة واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي، كانت ربما لتعيد إعمار الجنوب، لو قدّر لها أن تكون “مقرّشة”، ضد الرجل والعلم معًا.
بات القاصي والداني يعلم، أنكم لا تؤمنون، لا بجيش لبنان ولا بعلم لبناني ولا باستقلال لبناني. لم تُمْحَ تلك الصورة البشعة عنكم، يوم أزلتم علم لبنان عن أحد الأعمدة في 7 أيار، لتعلقوا مكانه اصفرار وجوهكم وقلوبكم ونواياكم وخبثكم. نطلب منكم الكثير؟ ربما. وقد لا نكون على حق في هذا، لأن مستواكم لا يرقى الى أكثر من شتيمة وحقد وكره لتميُّز هذا الوطن. لكن من يريد أن يسطر باسمه “البطولات” عليه أن يعي تاريخ البلد الذي ينتمي اليه، حتى ولو صوريًا.
هل تعلمون يا أنتم، يا من يدعي الدفاع عن الوطن والاستشهاد من أجله، أن قصة العلم اللبناني تعود الى ولادة استقلال لبنان في 11 تشرين الثاني من العام 1943؟
في 21 تشرين الثاني من كل عام، وعشية عيد الاستقلال، يحتفل اللبنانيون بعيد العلم، وهي مناسبة تضاهي برمزيتها مناسبة عيد الاستقلال. ربما لا يعرف “الشباب الغاضب” الذي رأى علم لبنان يرفرف في الجنوب أن في لبنان عيد وللعلم، وإن كانوا يعلمون فهم بالتأكيد لم يتمحضوا في تاريخه ولا تعنيهم رمزيته.
يومها اجتمع النواب صبري حمادة، سعيد المنلا، هنري فرعون، صائب سلام، رشيد بيضون، محمد الفضل، ومارون كنعان، فاقترح أحد النواب تغيير العلم اللبناني الذي كان أسير الألوان الفرنسية، فصدحت الهتافات المؤيدة وعلا التصفيق. فكرة تغيير العلم، كانت أصبحت في تلك الفترة مختمرة في رؤوس اللبنانيين، واشترك النواب في تنفيذ الاقتراح، فقرروا جعل العلم أرزة خضراء في بياض محفوف بالأحمر القاني، رمزًا إلى الدم المسبوك في سبيل الحرية والاستقلال. وخلال لحظات، وُضعت صيغة الاقتراح بتعديل المادة الخامسة من الدستور وجيء بقلم رصاص أحمر لتنفيذ المهمة، فأخذ النائب سعيد المنلا على عاتقه مهمة رسم العلم الجديد. تعذّر على النواب إيجاد قلم أخضر، فرسموا الأرزة بقلم الرصاص العادي، ثمّ وقّعوا بإمضائهم على الرسم وعلى الاقتراح. وعقب معركة الاستقلال ومع لجوء الحكومة إلى بشامون، أُفرج عن العلم اللبناني ـ اللبناني، إذ وصل صباح 19 تشرين الثاني إلى قلعة الاعتقال أربعة شبان حاملين علم الاستقلال الذي تحرّر من كل لون غريب، ودخلوا به على الحكومة. حمل الرئيس أبو شهلا العلم وقبّله، ثم ناوله إلى وزير الدفاع الأمير مجيد ارسلان، وقال له: “إني بالنيابة عن رئيس الجمهورية، ورئيس الحكومة، وجميع المعتقلين، أولئك الذين نتوجه إليهم في هذه الدقيقة بعاطفتنا وتقديرنا وإعجابنا، أضع في عهدتك علم لبنان الجديد، وأطلب منك أن تدافع عنه وتحييه”. فركع الأمير، وقبَّل العلم، وقال: “أقسم أن أذود عنه بدمي، وأبذل في سبيله حياتي”.
رواية العلم ليست أسطورية ولا هي من نسج الخيال، انها قصة وطن وعلم خفق للمرة الأولى في قلوب من سطّر الاستقلال، ورفرف عاليًا في سماء لبنان فوق إحدى الهضاب العالية في منطقة فالوغا، متحديًا سلطة الانتداب الفرنسي، حيث أقام الفرنسيون هناك معسكرًا لتدريب جيش من اللبنانيين والسوريين عرف بالفرق الخاصة، فما كان من عدد من الضباط اللبنانيين إلا أن تمرد على السلطة الفرنسية بعد أيام من نيل لبنان الاستقلال، رافعين العلم الجديد، الذي بدأ منذ ذلك الحين يخفق عاليًا فوق الدور الرسمية في عاصمة لبنان وفي قلوب كل المناضلين الحقيقيين الذين سقطوا من أجل إبقائه عاليًا.
رفع محمد بركات علم لبنان فوق منزله المتضرر من الهجمات الإسرائيلية، فشعر المتضررون بأن خنجر الحق والوطن والقضية الإنسانية قد رُفع بوجههم.
أما وبعد، يا حسرتاه على “حزب” باتت قضيته محاولة الاعتياد على حكم الدولة وبسط سلطة الجيش وعلم لبنان وتطبيق القانون. وإن لم نحتفل جيدًا بعيد العلم بعد أقل من أسبوعين، فحتمًا سنحتفل وكما يليق بعلمنا في السنوات القادمة… يبقى أن القصة قصة وقت فقط.
