#adsense

قالوا مقاومة… المقاومة انتصرت!

حجم الخط

إستفاق اللبنانيون منذ أيام على خبر قصف الجيش السوري لقرى وادي خالد وبعض القرى الحدودية مع سوريا، وكان هذا الخبر قد مرّ مرور الكرام في الوسائل الإعلامية كما لو أن أحد الرؤساء استقبل أحد المسؤولين.

لقد اعتقدت لوهلة بعد انسحاب القوات الإسرائيلية والسورية من لبنان أنه لم يعد يوجد أي مبرّر لاحتلاله مجدداً أو الاعتداء عليه، وأن هناك مقاومة داخلية تملك كل وسائل الدفاع عنه، وإذا كان هناك ما يبرّر وجود القوات السورية في لبنان قبل انسحابها منه في 26/4/2005، إلا أن إعادة دخولها وبطرق عدوانية من خلال التمدد عسكرياً ولمسافة 5 كلم2 أحياناً وقتل بعض المواطنين اللبنانيين أو خطف بعضهم الآخر أحياناً أخرى بات يشكل عدواناً واضحاً على لبنان.

لكنني ذهلت لأنّ "سيد المقاومة " لم يخطب رافعاً إصبعه مهدداً القوات السورية من مغبة انتهاك السيادة اللبنانية أو الاعتداء على اللبنانيين، فشيئاً من هذا القبيل لم يحصل، كما لم تطلق رصاصة واحدة لصد هذه الاعتداءات لا من المقاومة ولا من القوى الشرعية، إذ لم نسمع إلا بيانا يتيما من فخامة رئيس الجمهورية.

وهذا ما دفعني إلى مراجعة حساباتي، فالمقاومة قالت أنها انتصرت في العام 2006 يوم لم تتمكن إسرائيل من القضاء عليها، لكن في حقيقة الأمر أن القرار 1701 الذي صدر بُعيد وقف العدوان الإسرائيلي على لبنان (أو ما يسمى بحرب تموز) في 11/8/2006 قد منع في المادة 8 منه وجود أي أفراد مسلحين بين الخط الأزرق ونهر الليطاني باستثناء القوات الحكومية وقوات الأمم المتحدة، الأمر الذي حصر وجود المقاومة بحكم هذا القرار في الداخل اللبناني بعيداً عن التماس المباشر مع إسرائيل.

وقد أدى الخلاف الحاصل بين لبنان وإسرائيل على قطع شجرة واقعة على الحدود اللبنانية بحجة أنها تحجب الرؤية عن الكاميرات التي تضعها إسرائيل، إلى مواجهة أثبت فيها الجيش اللبناني بسالة لافتة أدت إلى سقوط ضابط إسرائيلي برتبة عالية وبعض الجنود إضافة إلى جرح عدد آخر منهم.

وبمراجعة أكثر دقة، تبيّن لي أن المقاومة لم تطلق رصاصة واحدة باتجاه إسرائيل منذ انتهاء حرب تموز، لا بل أنها دخلت في لعبة تحقيق المكاسب السياسية الداخلية مرتكزة على السلاح الذي بحوزتها، وهي لم تخجل من استعماله في الداخل بغية السيطرة على الحياة السياسية وحمل خصومها السياسيين على التوقيع على اتفاق الدوحة (أو اتفاق الإذعان) تحت ضغط السلاح.

وهي هددت بصورة غير مباشرة باستعمال هذا السلاح يوم أرادت أن تقضم جزءاً من الأكثرية الفائزة في انتخابات العام 2009 لجعلها أداة طيعة في حساباتها السياسية، ما مكّنها من تشكيل حكومة الرئيس ميقاتي الحالية.

وأمام هذا الواقع الذي يطرح السؤال التالي بعدما افتخر المؤيدون للمقاومة أنها لا تقاوم إلا إسرائيل، فهل يمكن أن تطلق عليها صفة المقاومة بعد؟ وذلك لأسباب عدة منها أنها كما قلنا لم تعد على تماس مباشر أو حتى غير مباشر مع إسرائيل، وأنها امتداد لمشروع إيراني من الناحيتين السياسية والدينية، وأن تمويلها لا يتم من الداخل اللبناني بل من إيران، كما صرّح سيّدها لما لهذا العامل من تأثير على قاعدة "Qui donne ordonne". وبالتالي فهي لا تحقق مصلحة لبنانية ولا تنفذ إرادة لبنانية، وكونها لا تقاوم إلا إسرائيل على رغم انتفاء هذا الدور منذ حرب تموز عام 2006 حتى تاريخه كما ذكرنا، فهي لا يمكن أن تتلطّى بهذا اللقب ولا أن تقارن نفسها مع المقاومة في فرنسا كما يحلو لمؤيديها أن يفعلوا دائماً، إذ إن هذه الأخيرة قاومت كل من اعتدى على فرنسا وليس في وجه معتدٍ دون الآخر، وهي لم تكن امتداداً لدولة أخرى، ويوم انتفى سبب وجودها لم تستمر في نشاطها بعد عودة الدولة إلى ممارسة صلاحياتها على كامل الأراضي الفرنسية.

وأكثر من ذلك هل يعقل أن يتمسك البعض بدوره كمقاوم في حين أن سوريا لا تزال تبلّ يدها وبصورة تكاد تكون يومية بلبنان، لا سيما في قرى عرسال ووادي خالد وفي كل مرة تتذرع بحجة أو بأخرى؟

هكذا يمكننا أن نصف من سمّوا أنفسهم مقاومة بالجماعة المسلحة أو بالفئة المسلحة، لأن المادة السادسة من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقية جنيف (الموقعة عام 1949 لحماية ضحايا الحرب) الذي أقرّ عام 1977 تنص على "حق الشعوب في حمل السلاح لمقاومة الهيمنة الاستعمارية والاحتلال الأجنبي والأنظمة العنصرية، باعتبار ذلك ممارسة لحق تقرير المصير".

وهذا النص المشار إليه لا ينطبق على هذه الجماعة المسلحة أقله منذ انتهاء حرب تموز لعام 2006 وحتى تاريخه، بل أن الوصف الحقيقي الذي يُعطى لهذه الجماعة المسلحة هي البروتوكول الثاني الإضافي لاتفاقيات جنيف المذكورة الموقع أيضاً في العام 1977 المتعلق بالنزاعات

المسلحة الداخلية، أي عندما تتصارع فئات أو أكثر وتمارس سلطة على جزء من إقليم الدولة، وتخوض المعارك الحربية بقوات عسكرية تخضع لقيادات معروفة… حيث يبدو هذا الوصف ملائماً أكثر لما تقوم به هذا الفئة المسلحة كونها لم تعد تقاوم حتى إسرائيل، وهي إذا قاومتها لا تقاوم أي معتدٍ آخر على لبنان كما ظهر من خلال طريقة تعاطيها مع العدوان المتكرر للنظام السوري على لبنان، كما أنها لم ترتدع عن خوض المعارك الحربية الداخلية من خلال عدوانها على فئة سياسية أخرى (كما حصل في 7 أيار) وهيمنتها على جزء من الإقليم اللبناني.

هذا إن لم نصدق ما يقال عن مشاركتها في القتال ضد الشعب السوري إلى جانب (شبيحة النظام). وعليه، هل يجوز بعد اليوم أن نطلق صفة المقاومة على هذه الجماعة أو القول إنها انتصرت؟ ألم تستفد إسرائيل من هذا الواقع؟ فلم تعد المقاومة على تماس مباشر معها بل على تماس مباشر مع معظم الشعب اللبناني.

هكذا أكون قد أجبت على سؤال طرحته في الأمس القريب عندما اعتدَت سوريا بالقصف المدفعي على منطقة وادي خالد ولم أجد من يقاوم هذا العدوان…

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل