
تعتبر نقابات العمّال والمهن، ولا سيّما نقابة المحامين، من أهم النقابات “المؤشّر” التي تساعد في فهم المزاج السياسي وتبدّلاته في أيّ بلد من بلدان العالم. ولم يعد خافيًا على أحدٍ أنّ نقابة المحامين في لبنان كغيرها من النقابات ليست بمنأى عن التدخّلات السياسيّة، بغضّ النّظر عن محاولة بعض المرشّحين الحفاظ على روح من الاستقلاليّة، لا يمكن إلّا أن تسكن في جسد سياسيٍّ يشبهها.
فنقابة المحامين في بيروت بعد العمليّة الانتخابيّة الأخيرة، إضافة إلى انتخابات معظم النقابات والمجالس الطلابيّة الشبابيّة في الجامعات، تعكس المزاج السياسي الشعبي. فالنّاس اليوم تحرّروا من الموبقات السياسيّة التي أسرت أفكارهم وعقولهم ونهت عنهم التعاطي مع الأحزاب السياسية، بعدما نجح حراك 17 تشرين بشيطنتها جميعها. لتبيّن التجربة على أرض الواقع، أنّ “كلّن يعني كلّن” غير صحيح، بل الصحيح “كلّن يعني كلّن” إلى المحاسبة أمام قضاء نزيه شفّاف وعادل.
إلى ذلك الحراك التاريخي الذي لم تكتمل فصوله لأنّه لم ينجح بالتحوّل إلى حزب سياسي، تأتي الأحزاب الراديكاليّة الرجعيّة المستمدّة عقائدها من غياهب التاريخ والايديولوجيا الدينيّة، معطوف عليها التيار المكنّى زورًا بالوطني والحرّ، فيما الحقيقة كشفت أنّه تيار مصالح، سرعان ما سقط أتباعه بعد سقوط منافعهم كأوراق الخريف، ومَن تبقى منهم اليوم لا مجال معه للحوار. تمامًا كأصحاب العقائد البائدة الذي لا يتخطّى الحوار معهم أكثر من إظهار وجهة النّظر والحقيقة، ليعرف النّاس مدى تحاذقهم ومماحكتهم وريائهم.
صحيح أنّ انتخابات نقابة المحامين انتهت لكنّ ذيولها السياسيّة لن تنتهي، بل ستترجم في كلّ استحقاق انتخابيّ مقبل؛ حيث أظهر حزب “القوات اللبنانية” أنّه قادر على مواجهة هؤلاء كلّهم، متى وضع أصحاب الحقيقة يدهم بيده. ولعلّ انتخابات زحلة البلديّة هي أيضًا نموذجًا لما سيحدث في الاستحقاقات التّالية. ولا أعتقد أنّ العقلاء بعد هذه النتائج كلّها سيقبلون البقاء في المناطق الرماديّة التي تموضعوا في وسطها؛ أو أنّ بعضهم، الذي كان يمارس على ذاته عمليّة صبر استرتيجي، قد يقبل بعد اليوم الخضوع لعمليّة تبكيت الضمير، لأنّ ضمائر هؤلاء لا زالت حيّة.
وما بين الرّافض والخائف والمرهَّب اليوم، لا مكان للحقيقة الساطعة، فالنور دائمًا أقوى من الظلمة. وإن نجح بعض هؤلاء خلال سنوات القحط هذه ببثّ بعض الضوء، إلّا أنّهم ما نجحوا يومًا في ولادة النور، وشتّانَ ما بين الضوء والنور. فالضوء إديسونيٌّ لَحْظِيٌّ، بينما النور فربيٌّ سرمديٌّ. والضوء لا يطغى على النّور. قد يكون النور صنيعة الشرّير لكن لا يمكن أن يكون إلّا من روح الرّب.
وهكذا هي نضالات الشعوب. كلّ فترات الظّلم فيها لو شعّ فيها ضوء، لا يرقى إلى مستوى النّور. وطالما أبناء هذه الشعوب يتمسّكون بجوهر نضالهم من أجل إحقاق الحقّ فالنور حتمًا سيتجلّى انتصارات لهذا الحقّ. من هنا، نستطيع القول، مخطئ من يظنّ أنّ السياسة بلا قيم تستطيع الاستمرار. إنّ السياسة إن لم تكن ترجمة للقيم الانسانيّة السامية لا استمرار لها. وإن نجحت لفترة فهي حتمًا زائلة. نحن اليوم في زمن زوال هذا الضوء. والنور آتٍ لا محالة.
بعد انتخابات نقابة المحامين في بيروت بدأت جنازة الضوء، وانبثق النور متجلّيًا ليكون عمادًا للبنان الجديد. لبنان الذي لا نؤمن إلّا به، ولا نريد إلّاه، ولا نطلب سواه. لذلك، نقولها وضميرنا مرتاح، ودماء شهدائنا مستكينة، وأرواحهم مطمئنّة، ودموع الأمّهات توقّفت، وقهر الآباء والزوجات والبنات والبنين قد انقلب فرحًا: لبناننا أتى.