#adsense

الأنطونان العنداري والوردان.. يا ذلك الأيلول

حجم الخط

3 تشرين الثاني 1969 وذلك اليوم القاهر، تهاوت السِّتارة المتهلهلة وانكشف كامل مسرح  دولة لبنانية ذات تركيبة حكَّاميَّة حكومية كانت الأقرب لقبًا إلى حكم  ذي القرنين، ومسرحيَّة معقَّدة الكتابة ذات سيناريو أعدَّ نصوصه سحرة الغموض البنَّاء وإخراجٌ متعدد الأهواء والجنسيات، وممثلون انطلقوا إلى مواهب التَّمثيل بالوطن منذ ما قبل عروض 22 تشرين الثاني 1943 في شبه إجماعٍ على عنوان “ذي وجه عربي” وثنائية بشارة الخوري ورياض الصَّلح. واستمرَّ “الحق ع الطليان” حتى الثالث من تشرين الثاني 1969 وكرسي الفخامة تراود قائد الجيش إميل البستاني عن قلم كان حبره زرنيخًا  وقَّع فيه على تلك الجائحة المنسوخة عن أمر يومٍ أصدره جمال عبد الناصر تحت مسمَّى اتفاقية القاهرة وكوفية أبي العمار، والأسى يرفرف بيرقًا غاصبًا فوق دويلة أرض فتح لاند والشريط الحدودي الجنوبي دولة العبرانيين من أمامه وخناجر قبائل العاربة من خلفه، مخلِّفين وراءهم دويلة الطَّهرانيين الألهجيَّة.

هذا ما ورثه المجتمع الشبابي اللبناني المسيحي مِن نجومٍ هوت التَّشريفات الرئاسية فوقع محظور 13 نيسان 1975، فهجر شبابنا وفتياننا مدارسهم ومعاهدهم وجامعاتهم وأعمالهم وطموحاتهم وحقوق شبابهم عليهم، حين لما يتبقَّى غيرهم ينهض للتضحية الكبرى حاملاً أعباء شرف الوطن  ونعوش بيضاء ارتفعت إلى ما فوق الشَّمس وعروش سوداء تهاوت بجلاَّسها إلى ما تحت الحضيض!!

 

ذهبتما معًا وتعودان معًا

ما بين حدشيت الموصوفة بالكاملة  الآراميَّة اللهجة والشِّير ومعلَّقات المناسك ومبخرة الزمان، وبين عبدين المزرودة بيتًا من أبيات وردية قرى دائرة قاديشا، هو ذاته الذي كان بين أنطوان حنا عنداري العبديني ورفيق نذوره الزيتية اللبنانية طوني صديق وردان. وأنَّ ما بين أنطوان وطوني ذاك الدير القائم عند مطلِّ وادي إيليج فوق أعالي بلاد جبيل، دير أنتظر مجيئهما من أحزان ليالي شمالهما المتَّهم بهدر حقوق أسباط ملوك ألف ليلة وليلة.. انتظرهما منتسبين إلى قبضة سيف دير مار شليطا ومكتسبين أمانة الانتماء إلى جمهورية تلة القطَّارة!

الأشبهيّ الوردان وإشبين بندقيَّته رمح مواطنه دانيال الحدشيتي بطريرك البيعة اللبنانية المجاهدة، والعنداري فتى النَّخوات لا تزيح قدمه عن قدم أخيه بول، يرافقه إلى وطنٍ هو غير هذا الذي استنسخه واستمسخه كَتبةٌ مطواعون لقاعدة “6 و6 مكرَّر”، فتكرَّرت المصائب وتوالت النَّكبات وتناثرت المبادئ الاصطناعية  وطلاَّب العلم الوطني في خدمة إجبارية لدروس وطنية ملفَّقة تلفيقًا، أين منها الوصيَّة الآية: “الأوطان لا تحمل في الجيوب”… وإلاَّ استوطنت شتَّى العيوب.

الوردان والعنداريان إلى رسم الكأس السابقة لعشرات من ليالي جمعة عظيمة لجبل قد خابت تضرُّعاته المتتالية ولم تجاز عن أيلوله 1983 ذات كؤوس حزيران 1860!!

 

الجبل حقائق ترفض الجنازة

ساحة بحمدون مساء السبت 3 أيلول 1983 أشبه بساحة الأمم المتًّحدة على الاقتصاص الجماعي من أهالي طيِّبي الجيرة مسالمين بالطَّبع والفطرة رسَت عليهم وعلى بيوتهم وأرزاقهم وقراهم تلزيمات دفع الفواتير الحارقة الأثمان وهم لم يشربوا على موائد مفاوضاتٍ تولاَّها بعضٌ من “ذوي الشَّأن”، بعض يفاوض فوق أسطح الطاولات وبعض تحت أسقف الكراسي… ساحة بحمدون 3 أيلول 1983 وسائر الجبل قد تم ربطهم بحبل سرَّة 6 حزيران 1982 وبمضبطة الاتهام بالتواء وسوء النوايا، والعبث بأصل الاتفاقيات، ولحس التواقيع، والتَّملُّص من الوعود والإخلال بالعهود…

الحي الغربي من عاليه كان النموذج الأول للإنذار المريع، ولكن أعطونا من النواضير والنَّواطير ما يكفي وخذوا من المعاندات والمراوغات ما يدهش العالم… ومن ذا الذين يقنع القابعين فوق برج العقرب بأنَّ المقامرة بالسَّم الزعاف توجب إيفاء الديون لأشرس الثَّعابين، والحيَّات أبناء الأفاعي لا تسامح بفلس دينٍ واحد!

مشهد عبثيٌ كالح البصر قاحل البصيرة من أزرى ما خططت له بروج بابل المتلبننة، كان على رجل واحدٍ أن يجترح معجزة توضيب محرقة مزمع أن تتحول نيرونية، ويضعها في عبِّه وأعباب رفاقه الآتون معه من جمهورية القطّارة بملء إرادتهم وكامل وعيهم وإدراكهم، بأنّ المحرقة الصّاعدون إليها، لا إبراهيم فيها ولا إسحق ولا كبش فداء… جبل الرَّصيف وأخواته تراصفت عليهم زواحف رقطاء مرقَّطة مدجَّجة بأنياب الضواري متسللة من جحور شتى أجناس وأشكال أرصفة عثمانية متجددة متناسلة من عثمانيات خورشيد باشا 1860… راهب لبنان بولس نعمان يرفع الصوت بمقدمة إنجيله البولسيّ النَّعماني الرهباني: “كونوا في الصوت الجهير أيها السَّاكتون الصامتون حين الجَّحيم وحده يتأجَّج بالحرائق تأجُّجًا والأبالسة تصرِّح يمينًا وشمالاً والفداء العظيم يتوأم دير القطارة بدير القمر!!

 

سيدة بطلون تشهد على ما شاهدت

مصلوب جبل أورشليم يستمر نزاعه خمسة أيام هاجعًا في ذمة جبل نال من الإسخريوطية ما ناله والذين مفترض أنهم الصَّخرة فقد عافهم حتى الدِّيك الذي أيقظ سمعان بطرس على فجر الندامة. حين لاحت أول علامات الصَّلب الأيلولي انضبَّت الديوك المنفوشة ولم يثبت على خطوط الصمود الجنوني إلاَّ المؤمنون بأن صمودهم لن يتمَّ تدعيمه إلاَّ بذراعي يسوع الجلجلة، ولم يتبقَّ في متنزَّهات الرصاص والشظايا والأجساد الممزقة غير المتأكِّدون بأنَّهم ذاهبون بأرجلهم إلى موتٍ لا نعش له ولا مأتم ولا أكاليل زهر ولا نعش حتى ولا قبر…

جبل الأيلوليين بأكمله كأس ذبيحةٍ جمعت برشانها من رجال لحوم أجسادهم تتشظى وتتطاير نثرات… ذبيحة أيلوليينا لن تنتهي ولا يجوز أن تنتهي حتى ترتقى إلى ضمير الكنيسة اللبنانية ووجدان الكنيسة، الكنيسة المسكونية وكرسي اعتراف تاريخي لا يتزحزح من مكانه إلاَّ إذا استدعيَ إليه كل من هو هيرودس مذبحة بيت لحم وكل من هو خورشيد باشا العثماني محرِّك فوالق زلزال دماء 1860!

سعير نار نهار الاثنين 5 أيلول 1983 كمين يخترق جنب بحمدون كتلك الحربة التي طعنت جبل المصلوب. أنطوان عنداري وطوني وردان ورفاق لهم، يتحوَّلون من هامة البطولة إلى مثوى الجثامين، فلم يتمكنّوا من مواكبة القوافل المغادرة إلى دير القمر… رفاق شهداء الكمين كانوا هم الأهل والمعزين والمشيعين. حملوا القامات القدسية حتى مذبح كنيسة سيدة بطلون وأم الله الحنونة تتكفّل بأكاليلهم وجنازتهم ونعوشهم ودفنهم… بحمدون مددت صمودها من اثنتي عشرة ساعة المطلوبة إلى اثنتين وسبعين ساعة، وعند الثالثة والسبعين استشهدت تحت شماتة أنظار الغرباء وغضِّ طرف أنظار الأنسباء والأقرباء اللزم… عمَّ السَّحل والحرق والهدم والخراب وكنيسة سيدة بطلون انتهت أطلالاً وآثارًا ومصير ذخائر رفات العنداري والوردان نالت مصير ذخائر رفات دانيال الحدشيتي وذخائر رفات جبرائيل حجولا…

إن أفلحت مختبرات الحمض النووي في التمييز بين عظام أنطون وعظام أنطون أو أخفقت، فإن إقامتهما في تلك الحنايا قد كرَّست كنيسة السيدة البطلونية كرسيًا رسوليًا في قلب جبل لبنان!!

 

أنطوان مار سابا السنديانة والرعية

صباحًا، ظهرًا ومساءً، أإَّك عائد إلى عبدينك عودة ترنيمة يا قربانًا شهيًا، أنت القربان المرفوع بكأس قداديس أخويك الأبوين الكاهنين جوزيف وسابا حنا عنداري. أنت عائد برسائلك إلى أخيك وقائدك بولس الرسول، رسول المقاومة و”القوات اللبنانية” إلى لبنان والشرق والأمم وقد سبق ورفض منذ اثنين وأربعين سنة توديعك وداع الأموات!!

 

وردان الرجال يا بطل الميلان

“أبو ريشه الحكيم” شفيع حدشيتكَ وشافي زوارها. إكرامًا لعينيكَ السَّاهرتين في محارس الأزل قد أخذ عهدًا على توحيده يومي 4 و5، فإنَّ أهلك وأهلنا الحتاشة ينتظرون عودتك من جبهة بحمدون ومئة جبهة، كي تمسك يا قيدوم شعب يوحنا مارون رأس الدَّبكة الحدشيتية في ساحة كنيسة رومانوس الشهيد وحكيم حدشيت!!!

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل