
أظهرت دراسة سلوكية جديدة أن مشاهدة فيديوهات الطبخ دون تطبيق الوصفات فعليًا يمكن أن تقلّل الشهية بدلًا من زيادتها، في نتيجة معاكسة تمامًا للاعتقاد الشائع بأن محتوى الطعام يزيد الرغبة في الأكل. هذا الاكتشاف جاء بعد سلسلة من التجارب التي أجريت على مشاركين من فئات عمرية مختلفة، وتم فيها مراقبة ردود فعلهم الجسدية والنفسية قبل وبعد مشاهدة مقاطع طبخ قصيرة ومتنوعة.
اعتمد الباحثون في تصميم الدراسة على تقسيم المشاركين إلى مجموعتين: الأولى تشاهد فيديوهات الطبخ فقط دون تحضير الطعام، والثانية تشاهد وتقوم بتجربة الوصفة فعليًا. وبعد تحليل النتائج، تبيّن أن المجموعة التي اكتفت بالمشاهدة انخفضت لديها الشهية بنسبة تراوحت بين 10 و18%، بينما زادت الشهية لدى المجموعة الأخرى التي قامت بتحضير الطعام أو تذوقه. هذا التباين دفع الباحثين إلى البحث في الآليات النفسية التي تقف خلف هذا التأثير غير المتوقع.
يُرجع العلماء هذا التأثير إلى ما يسمّى بـ“التشبع البصري”، وهي حالة يحدث فيها نوع من الإشباع الذهني عند رؤية الطعام بشكل مكثف ومتكرر. فالدماغ، عند مشاهدة مراحل تحضير الطعام—من التقطيع إلى الطهي ثم التقديم—يتعامل مع هذه المشاهد كأنها تجربة شبه مكتملة. هذا “الإشباع الوهمي” يعطي الدماغ إشارة بأن الشخص تعرّض لمحفّزات الطعام التي يحتاجها، حتى دون أن يتناول أي شيء فعليًا. وبالتالي، تنخفض الشهية بشكل ملحوظ، خصوصًا لدى الأشخاص الذين يعانون من رغبة متزايدة في تناول وجبات خفيفة بين الوجبات الرئيسية.
كما أوضحت الدراسة أن كثرة المعلومات الحسية التي يتلقاها الفرد عند مشاهدة فيديوهات الطبخ—الألوان، الحركات، الأصوات—تجعل الدماغ ينشغل بالعملية نفسها بدلًا من التركيز على الرغبة في الأكل. هذا الانشغال المعرفي يعمل كنوع من “الإلهاء الصحي” الذي يخفف من التوق للطعام، خاصة لدى الأشخاص الذين يميلون إلى الأكل العاطفي أو التناول غير الواعي للطعام.
ومن الجوانب المثيرة التي كشفت عنها التجارب أن التأثير يظهر بقوة عند مشاهدة وصفات دسمة أو حلويات، أكثر من وصفات السلطات أو الأطعمة الخفيفة. فالمقاطع الغنية بالتفاصيل—مثل صبّ الشوكولا الذائبة أو قلي الأطعمة—تخلق تشبعًا بصريًا أسرع لدى المشاهد، مما يجعله يشعر بأنه حصل بالفعل على جرعته من الإشباع الحسي.
كما لاحظ الباحثون أن المشاركين الذين يعانون عادةً من نوبات الجوع الليلي شعروا بانخفاض واضح في رغبتهم في تناول الطعام بعد مشاهدة عدة فيديوهات طبخ قصيرة، وكأن الدماغ اعتبر هذه التجربة بمثابة “وجبة افتراضية” تكفي لإخماد الإحساس بالجوع.
وفي المقابل، لم يُظهر الأشخاص الذين شاهدوا فيديوهات قصيرة للغاية أو غير مفصلة نفس التأثير، ما يشير إلى أن نوع المحتوى وجودته يلعبان دورًا أساسيًا في التأثير على الشهية. المقاطع التي تُظهر المراحل خطوة بخطوة، وتعرض الطعام من زوايا قريبة، كانت الأكثر فعالية في تقليل الشهية.
ويرى الخبراء أن هذا الاكتشاف قد تكون له فوائد عملية مهمة، خصوصًا لمن يحاولون التحكم بشهيتهم دون اللجوء إلى حميات صارمة. فمشاهدة فيديوهات الطبخ، التي أصبحت جزءًا من الاستخدام اليومي لوسائل التواصل الاجتماعي، قد تتحول إلى أداة بسيطة تساعد على الحد من الأكل العشوائي أو الرغبة المتكررة في تناول الحلويات.
مع ذلك، ينصح الباحثون بعدم الاعتماد على هذه الطريقة وحدها كبديل عن نظام غذائي متوازن. فهي وسيلة مساعدة، وليست حلًا جذريًا. لكنها تُظهر بوضوح كيف يمكن للعوامل النفسية والحسية أن تتحكم بسلوكياتنا الغذائية بطرق غير متوقعة.
في النهاية، تكشف هذه الدراسة أن العلاقة بين الطعام والدماغ أكثر تعقيدًا مما نظن. فمشاهدة الطعام لا تزيد الرغبة دائمًا—بل قد تخلق “شبعًا ذهنيًا” يقلل الشهية، ويمنح الجسم فرصة أفضل للتوازن والاعتدال.