
ليست مصادفة بالمضمون أو الشكل وعشية زيارة البابا لاوون الرابع عشر للبنان، أن تنظم قيادة قطاع جنوب الليطاني في الجيش اللبناني جولة للإعلاميين، لإبراز جدية الدولة في تطبيق قرارات الحكومة اللبنانية وخطة الجيش في بسط سلطة الدولة على حساب الدويلة، طمأنةً للزائر وإرضاء للموفدين والضامنين والوسطاء الدوليين والعرب واستجابة لمطالب اللبنانيين كل اللبنانيين.
كذلك انطلاقًا من التجارب السابقة في اداء “الحزب” وحلفائه وأوليائه من سوريين وإيرانيين، في عرقلة أي مسعى لقيام الدولة أو أي مبادرة معنوية أو فعلية مادية لقيام سلام عادل وشامل، ليست مصادفة أن يتلاقى “الحزب” اليوم مع العدو الإسرائيلي في إشاعة أجواء الحرب والخوف والتخويف عشية زيارة البابا، ضربًا لأي رجاء يحل في لبنان أو أمل في قيامة دولة وإرساء أمن واستقرار وسلام.
لقد لمس الكثيرون ما تتعرض له زيارة البابا اليوم من تشويش وتهديدات جيوش “الحزب” الإلكترونية، وإيحاءات سلبية لبعض الفعاليات الشيعية الدينية الدائرة بفلك “الحزب” مثل نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ أحمد الخطيب وتجمع علماء جبل عامل وإطلالة الشيخ نعيم قاسم الاخيرة، التي حاولت فرض أجندة “الحزب” وأدبياته وسردياته على قداسة البابا، من مثل ما دعاه الخطيب “أن تتضمن زيارته منطقة الجنوب والضاحية والبقاع… لما له من أثر كبير على نفوس الذين يواجهون الأذى يوميًا”. وبما يشبه التهديد و”التخريب على الزيارة والرفض المبطن”، يقول نائب رئيس المجلس الإسلامي الأعلى: “كان ذلك سيوفر فرصة لتعزيز صمود أبنائنا المسيحيين في الجنوب وطمأنتهم”، وبما يشبه الرفض لبابا السلام قال الخطيب: “إن عدم شمول الزيارة للجنوب سبب لنا استغرابًا وأسفًا عميقًا، لما كنا نرجوه لها من أثر بالغ في تعزيز التواصل والحماية الروحية لكل المواطنين”. كذلك في دعوة تجمع علماء “الحزب” في جبل عامل البابا لاوون، لتبني أدبيات “الحزب” وخطابه وتعميمها على الكنائس في لبنان، متدخلًا في شؤونها، إذ يقول: “نود أن نلفت انتباهكم إلى أهمية قيامكم بتوجيه كلمة واضحة وحازمة إلى رؤساء الكنائس اللبنانية ورعيتها، وإلى السلطة التنفيذية اللبنانية، لترسيخ وعيهم بالخطر الإسرائيلي الداهم، وفهم حجم التضحيات الفادحة بالدم والمال والأرض”.
وطبعًا لن تكون رسالة “الحزب” الى البابا التي سيسلمها مسؤولوه في السفارة البابوية والتي أعلن عنها قاسم في إطلالته الحربية الأخيرة، بمختلفة عن رسالته الى الرؤساء الثلاثة الرافضة لإرساء الإستقرار والأمن والمخربة على مسار التفاوض والأمن والسلام الذي تحمل زيارة البابا لاوون عنوانًا وشعارًا لها.
ليتذكر انطلاقًا من ما يجري اليوم مع زيارة بابا “طوبى لصانعي السلام” لاوون الرابع عشر، ما كان يقوم به المحور نفسه و”الحزب” ذاته من جهد لعرقلة زيارة بابا “الرجاء الجديد للبنان”، البابا القديس يوحنا بولس الثاني، ومن هنا نتوقف عند بعض المحطات للاستدلال، فزيارة البابا القديس كانت مقررة في العام 1994 ولكن قبل زيارة يوحنا بولس الثاني، وانطلاقًا من شعار زيارة البابا لاوون الرابع عشر “طوبى لصانعي السلام”، وفي 29 كانون الأول من العام 1993 تم اعلان “تبادل دبلوماسي” بين دولة الفاتيكان ودولة إسرائيل، تبعه في 30 كانون الأول من العام 1993، هجومًا عنيفًا من “الحزب” على الفاتيكان جاء فيه: “الى الذين يرون في الفاتيكان مرجعية لهم، يمكن أن ينظروا الى الخطوة على أنها مثال للاحتذاء، إنها خطيئة تاريخية ترتكب ضد المسيح والانسانية جمعاء”. وفي 3 كانون الثاني من العام 1994، خرج “تجمع العلماء المسلمين”، الدائر في فلك “الحزب”، بالموقف التالي: “زيارة البابا للبنان أمر لا فائدة منه إطلاقًا، وندعو جميع القوى والشخصيات الشريفة في البلد الى مقاطعة الزيارة، تعبيرًا عن رفض هذا الاتفاق”، وفي 9 كانون الثاني من العام 1994، اعتبر الأمين العام السابق لـ”الحزب” الشيخ صبحي الطفيلي، أنه “بعد الاعتراف، تصبح زيارة البابا الى لبنان تأسيسًا للشر ولعمل لا يصب في مصلحة اللبنانيين”.
وبعد تفجير سيدة النجاة في 27 شباط من العام 1994، رأى الفاتيكان أن “انفجار الكنيسة قصد به الاحتجاج على العلاقة الدبلوماسية بين الكرسي الرسولي ودولة إسرائيل، وأن روما كانت تلقت في كانون الأول من العام 1993 تحذيرات بقرب وقوع اعتداء على هدف مسيحي في الشرق الاوسط”… لتلغى الزيارة لاحقًا، والتي لم تحصل قبل أيار من العام 1997.
لن تكون دعوة الفاتيكان في رسالته المسيحية الهادفة الى “السلام”، الًا مُرحبًا بها من اللبنانيين وأبناء الدول العربية والتي أجمعت دولهم في القمة العربية في بيروت في 28 آذار من العام 2002 على تبني “مبادرة السلام العربية”، وتنص المبادرة التي اقترحها ولي العهد السعودي الأمير عبدالله بن عبد العزيز على “إقامة علاقات طبيعية بين الدول العربية وإسرائيل” شريطة انسحابها من جميع الأراضي العربية المحتلة منذ العام 1967… ولن يكون رفض “الحزب” ومحوره لسلام الفاتيكان الذي يحمله البابا لاوون في زيارته الى لبنان، الا خروجًا عن ترحيب اللبنانيين والعرب بالزائر وبما يحمله تمامًا، كما خرج أمين عامه الراحل نصرالله عن الاجماع العربي في العام 2002، مهددًا متوعدًا مخربًا معرقلًا قائلًا: “كنا نسمع الصوت العالي للقادة العرب، وقرارات تتحدث عن التحرير، ونتذكر اللاءات الثلاث المشهورة التي يعتز بها العالم العربي، ثم أصبحت القمم تضعف وتتراجع وصوتها يخفت، وصارت قراراتها هزيلة… إن فلسطين ترابها لأهلها من البحر إلى النهر من دون تنازل… البعض صار يتطلع لأرض ما قبل حزيران العام 1967… ومازال القادة العرب يردون على اسرائيل بمبادرات السلام”.
ولأن رسالة “السلام” التي يحملها الفاتيكان بباباواته ثابتة، نعود الى نداء البابا فرنسيس في 21 أيلول من العام 2017:
“أوجّه نداء لصالح السلام ونزع الأسلحة: في هذا العالم الذي يجرحه العنف نحن بحاجة لأخوّة بين الشعوب” وطبعًا تتناقض الدعوة هذه مع موقف “الحزب” وبيئته من السلام التي تعني بالنسبة لهم “استسلام” لإسرائيل، وقد عبّر “الحزب” من خلال ذراعه الأهلي من “جمهوره” الالكتروني والشارعي والزقاقي عن موقفه هذا، من خلال التعليقات الساخرة والشاتمة لشعار الزيارة الوارد على لسان السيد المسيح في الكتاب المقدس: “طوبى لصانعي السلام فانهم أبناء الله يدعون”.
.jpg)