
سلامًا أنقلُ لكم من قلب الآب السماويّ، لا كما يعطيه العالم، بل سلامًا ينبعُ من قلبِ أبٍ يخفقُ دائمًا لأولاده المنتشرين بين الأديان والطوائف. أتيتُ إلى خاصَّتِكم وفي قلبي محبّةٌ لشعبٍ أراده الله خاصَّته، ولكنّ أهله أقاموا الجُدران بين أولادهم، معتقدين أنّهم يملكون القدرة على منع قلوب الأولاد من الخفقان بحبّ قلب الله. لم يؤمنوا كفايةً أنّ مشيئته مسيطرةٌ على الأرض كما في السماء، وأنّه القادر على مناجاة أولاده حتّى من خلف صلابة الجدار.
هذه هي غاية زيارة البابا لاوون الرابع عشر الآتي إلى حيث حاول الكثيرون استمالة قلوب الشبيبة وحَرفِها عن طريق الربّ، لكنّ محاولاتهم باءت بالفشل، كون قلب الله لا يتوقّف عن الخفقان لقلوب شبيبته. سيأتي قداسة البابا إلى كنيسته ليرى كيف هي عاصيَةٌ على أبواب الجحيم، سيزور رعّيته ليطمئنَّ على متانة سياج الحظيرة، وليشدّ على يد راعيها أثناء سهره على سلامة القطيع في هجعاتِ ليل الظُلمِ والظلام.
سيعلنُ البابا أمام الملأ في حضرة شعب الله عن يسوع المسيح غافر الخطايا والذنوب ومسامح صالبيه، لا بل سينقل لهم وصيّته “أحبب قريبك كنفسك”، وسيصرخ في آذانهم اُغفروا لمن خطئ إليكم كما غفر لكم الآب السماويّ، وما زال يغفر لكم ويسامحكم على ذنوبكم. سيقول للمسؤولين إنّ العدالة تُبنى على أساس كرامة الشخص البشريّ وحرّيّته، ويأتي إنفاذها في سبيل طمأنينة الإنسان والدفاع عن حقوقه المشروعة ولا لترويعه وترهيبه. .
سيذكِّرُ الجميع بما قاله سلفُه البابا يوحنا بولس الثاني يوم زار لبنان سنة 1997: “لبنانُ وطنُ رسالة”، رسالته تقوم على الحوار بين الطوائف من أجل إعلاء شأن وطنهم وتطوير مقوّمات حياتهم اليوميّة، ليعيش كلّ فردٍ منهم بكرامة مهما كانت طائفته وأينما كان، أفي القرى أو في المدن سكناه فالجميع سواسية، يتساوون أمام الله، كونه خلق الجميع على صورته ومثاله. سيشدّد عليهم بأنّ أساس الحرّيّة وأوّلها: “الحرّيّة الدينيّة” كما جاء في وثيقة الأخوّة الإنسانيّة، عندما اتفّق البابا فرنسيس وشيخ الأزهر أحمد الطيّب: “إنّ الحريّة حقٌّ لكُلّ إنسانٍ: اعتقادًا وفكرًا وتعبيرًا وممارسةً…”.
خُلق الإنسان حرًّا ليعبُد الله بحسب قلبه وضميره، بحسب ما توارثه من ممارسات أجداده وآبائه الايمانيّة وتقاليدهم الطقسيّة. تولد هذه الفطرة مع الإنسان، وهي ميزة حميدة في علاقاته مع أترابه ومع الطبيعة، لأنّها مصدر الأخلاق وضابطة ميادين التفكير وسلوك التخطيط وقوّة التنفيذ. جاء البابا لاون الرابع عشر إلى لبنان ليقف أمام جميع اللبنانيين كاتبًا في قلوبهم ووجدانهم: من قلبِ اللهِ الآبِ سلامًا أنقلُ لكم.