
لم يمر خبر تعيين السفير اللبناني السابق في واشنطن سيمون كرم، رئيسًا للوفد اللبناني إلى اجتماعات “الميكانيزم”، من دون أن يحدث زوبعة سياسية وإعلامية. فهذا التطور، قلب الصورة النمطية رأسًا على عقب، وأقفل الباب على لغة التهديد التي كانت سائدة لفترة طويلة، مفسحًا في المجال أمام سلطة الدولة والكلمة الفصل التي لا بدّ أن تعود لها.
منذ ساعات قليلة، شارك كرم إلى جانب المدير الأعلى للسياسة الخارجية في مجلس الامن الإسرائيلي يوري رسنيك عن الجانب الإسرائيلي، في اجتماع “الميكانيزم” في الناقورة، برئاسة المبعوثة الأميركية مورغان اورتاغوس. إنها المرة الأولى التي يشارك فيها مدني لبناني في لقاءات مع الجانب الإسرائيلي، وهذا ما اعتبرته السفارة الأميركية “تسهيلًا للمناقشات السياسية والعسكرية بهدف تحقيق الأمن والاستقرار والسلام”.
خلفية هذه الخطوة تعود بحسب مصادر سياسية مطلعة، الى ما بعد قمة شرم الشيخ، عندما أعلن رئيس الجمهورية جوزيف عون عن رغبة لبنان بالذهاب الى المفاوضات مع إسرائيل. يومها، لم يمرّ موقف الرئاسة الأولى بسلاسة بل أحدث ردة فعل سلبية مع نسف أمين عام “الحزب” نعيم قاسم فكرة التفاوض وإعلان رئيس مجلس النواب نبيه بري حينها، أن لا مشكلة في المفاوضات على أن تكون من ضمن لجنة “الميكانيزم”.
وتذكّر المصادر في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أنه تم الاتفاق على تطعيم لجنة “الميكانيزم” بمدنيين من دون أن يتم السير بالآلية المناسبة لذلك، وما هي إلا أسابيع قليلة، حتى ألغيت مواعيد قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل في الولايات المتحدة، وهذا ما فسّره رئيس الجمهورية على أنه رسالة قاسية موجهة الى الدولة، ومن هنا لا بد من التحرك بالاتجاه الذي اتُفق عليه، لافتة الى أن غرض صدور قرار تعيين كرم قبل وصول أورتاغوس الى اجتماع “الميكانيزم”، هو التأكيد أمام الأميركيين والمجتمع الدولي أن لبنان ملتزم بما وعد به، علمًا أن تاريخ السفير كرم مشهود له بالمقاربات المتعلقة بمفهوم الدولة والسيادة واحتكار السلاح بيد الدولة، وهو شخصية لديها خلفية سيادية بامتياز.
وتشدد المصادر على أن رسالة لبنان الرسمية من تعيين السفير كرم، هي التأكيد على تمسك لبنان بالمسار التفاوضي الذي تحدث عنه في أكثر من مناسبة رئيس الجمهورية، وذلك بدلًا من المسار العسكري ـ الحربي الذي لم يوصل إلا الى مزيد من التخبط.
وتلفت المصادر الى أن نقاشات اجتماع الأمس تمحورت حول الأمور التقنية العسكرية، من البحث بتحديد النقاط الى آلية عمل الجيش اللبناني فنزع السلاح جنوب الليطاني، وإذ تنفي أن يكون قد تم التطرق الى أي تعاون اقتصادي بين الجانبين، تشدد على أن الدولة اللبنانية تتجنب الدفع باتجاه أي تصعيد، على الرغم من قرار مجلس الوزراء تنفيذ بنود جلستي 5 و7 آب، وهي تدفع نحو المسار الديبلوماسي كتعويض عن عدم ذهابها الى تطبيق قراراتها.
وتتوقف المصادر عند أهمية تعيين كرم المدني في لجنة “الميكانيزم”، معددة ثلاث نقاط:
أولًا: كسر الحظر الذي كان سائدًا والذي كان ينص على “منع جلوس مدني لبناني مع مدني إسرائيلي”. ثانيًا: تبدل ميزان القوى، بحيث لم يعد الفريق الذي كان يهيمن على قرارات الدولة قادرًا على فرض شروطه، وهو قبل على مضض بكرم، لأن لا خيارات أخرى لديه، علمًا أن التنازلات الجزئية لهذا الفريق تتوالى، بدءًا بقبوله بمدني للتفاوض مع إسرائيل مرورًا بالقرار الحكومي في 5 و7 آب، وصولًا الى تشكيل الحكومة وانتخاب رئيس الجمهورية. وثالثًا: أجبرت الشيعية الإيرانية على تلقف هذا القرار لشراء الوقت وترحيل الحرب.
إذًا، رفع لبنان وإسرائيل من مستوى التفاوض داخل لجنة “الميكانيزم”، وخطا لبنان بقوة عبر قرار مفاجئ استثنائي نحو دبلوماسية لم تكن متوقعة بهذه السرعة مع إسرائيل، لكن هل ستتمكن هذه الخطوات من تجنيب البلاد كل الأجواء السلبية التي تتحدث عن خضة أمنية كبيرة مطلع العام الجديد؟.
الاجتماع الأول انتهى على خير، والاجتماع الثاني مزمع عقده في 19 كانون الحالي، والأيام المقبلة لناظرها قريب.