أعود الى ضيعتي. أين أهرب. الى أين نلجأ؟ الحصار يضيق. كل شيء فاسد من الارض وصولا الى الغيوم. اللحوم فاسدة. الاسماك والدجاج ملوك الفساد، الاجبان والالبان كذلك. المعلبات حدّث ولا حرج ، الحبوب لا تصلح . الخضار أسعارها نار ولا نعرف ما اذا كانت صالحة أساسا، المياه ملوثة، الجو ملوث، البنزين ضرب رقمه القياسي، الكهرباء مقطوعة "الموتور" لا يدور قبل أن يمتصّ آخر المدخرات الشحيحة النافقة، حكومة فاسدة… افف وماذا بقي بعد؟
أعود الى ضيعتي، فلاح مكفي سلطان مخفي، هكذا قال مرة المير بشير الثاني المعني الكبير. أعود الى ضيعتي فلاحة شبعانة سلطانة معلنة ولم لا؟ لدي كل شيء هناك. بيت الضيعة، الارض الخصبة، ورغبة العودة.
سأفتتح من جديد وضمن حفل كبير، القنّ المتقاعد منذ سنين وسنين تحت الفيرندا، وسأعيد له أمجاده السابقة واسكنّه بأربع أو خمس دجاجات، وديك واحد يكفي، والا غامرت بنقل نموذج الحكومة الى قن بيتنا، دجاجات يبضن البيض الطازج الطبيعي ويغمرن الحي بالصراخ والعويل كلما تكرّمت احداهن ببيضة علينا، وقرقة شرسة تزرع القن صيصان من دون حقن الكورتيزون ولا أضواء حمراء مصطنعة، يكفي ضوء القمر وديك رومانسي حالم صدره عامر بالرجولة… ولحقوا على أجيال من الدجاج البلدي الطازج، وسأفعل كما كانت تفعل امي كلما خطر على بالنا دجاجة محشوة بالارز والصنوبر. سأضع الدجاجة المذبوحة على شرف شهيتي، في دست مياه ساخنة، وأنتفها على مهل وانظفها وأعزم الجيران على وليمة، أقل ما توصف "بالنظيفة" الخالية من المواد الفاسدة، ورائحة المسؤولين الفاسدين وحكومة المفسدين.
سألبس ثياب الفلاحين. بنطلون واسع بجيوب كبيرة الى الجانبين، يشبه ذاك الذي كان يرتديه المقاتلون، مقاتلو القضية، قضيتنا، الحقيقيون، وأضع كوفية الفلاح اللبناني العتيق البيضاء وفوقها قبعة القش، وأذهب الى البستان، اتابعه شجرة شجرة، تفاحة تفاحة، دراقة دراقة، زيتونة زيتونة، عريشة عريشة، واتنعم اتنعم بالمذاق الشهي.
سأبقي على حديقة البيت المزنرة بسواعد أبي البيضاء، سأبقي عليها كما هي دائما، مشاع للخيرات، كل من يشتهي صحن تبولة في ليالي الصيف، يقصد حديقتي من دون أن يسألني، يقطف النعنع والبقدونس والبندورة والبقلة، وتأبى "ام موريس" الا ان تخصّني بصحن تبولة كجائزة ترضية امزمزه على صوت السمر، وكلما استحلت "ام طوني" طبخة لوبياء، تأتي خجولة لتسألني فاخبرها ان الحديقة حديقتها وأرجوها الا ترسل لي أيضا جائزة الترضية لان اللوبياء تكاد تفرّخ في معدتي…
سأربي بقرة حلوب ناعمة أحسن تربية، ولن ازوّجها من ثور "حياالله"، سازاوجها بعد التأكد من أصله وفصله، لننعم بحليب كامل الدسم وبأجيال "راقية" ذات جودة عالية، لا تدخل لحومها المستودعات المحمية بالمافيات لتصدّر حشرات مخفية الى أجسادنا بحماية من يدّعون انهم يسهرون لتنام عيوننا، بينما هم يسهرون لنغط في النوم والجهل بينما هم يعبثون بنا.
سأقطع اللبنة على يدي وأعلق الكيس بعنق الحنفية فوق المجلى، واكل لبنة طيبة لا حموضة فيها ولا عفن التجار المزوّرين وحماتهم في السلطة العفنة.
سأخبز على الصاج واتمتع بالدويشة مع صحن اللبنة العائم بزيت زيتون أخضر من زيتونات "أبو نبيل"، وسيقولون بالضيعة اني مسترجلة. سيقولون الكثير لكني لن أبالي كالعادة، ولا هم سيعودون يبالون عندما يتذوقون خيرات أرضي، لاني انا ايضا أتذوق خيرات أرضهم، هذه هي الضيعة تبادل الخيرات والمواسم.
بقي تفصيل صغير، سأحتفظ بقواعد اللعبة كاملة وأكون فلاحة متطورة، واستخدم الانترنيت وكلما شاهدت تقريرا في الاخبار عن اكتشاف مستودع جديد للحوم الفاسدة أو ما شابه، سأشعر بفخر كبير لاني أحسنت الاختيار وتحوّلت من صحافية الى فلاحة، وان بقيت خلايا الصحافية نائمة في خلاياي. لن اشمت بابناء وطني لكن سأشمت بمن يصدّق بعد حكومة كل وزير فيها مستودع فساد بحد ذاته، وسأشمت بكل من يصدّق ويصفّق ويتبع من يدّعون الاصلاح والتغيير ومحاربة الفساد، وهم في قعر قعر الفساد.
