لم تعد الضاحية الجنوبية لبيروت، التي لطالما شكلت معقلاً رمزياً وسياسياً، مجرد مركز قوة، بل تحولت إلى نقطة ساخنة تعيش على وقع القلق المستمر والتهديد الوجودي. بات سكان الضاحية يعيشون حالة متفاقمة من عدم الاستقرار والقلق الدائم من الاستهدافات المقبلة، مما ولد شعوراً عميقاً بأن المنطقة فقدت بشكل لا رجعة فيه صفتها كـ”الملاذ الآمن” على المدى الطويل. هذا التحول ليس مجرد تغير نفسي، بل هو زلزال اجتماعي واقتصادي يضرب صلب الهيكل المعيشي لآلاف العائلات.
وفق معلومات خاصة لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، “تكمن المأساة الحقيقية في أن العديد من سكان الضاحية قد استثمروا كل ما لديهم من أموال ومدخرات، جُمعت بشق الأنفس، لشراء شقق أو متاجر في هذه المنطقة بالذات، ومع الحرب الأخيرة والتصعيد المستمر، تبخرت هذه الثقة، وتدمرت منازلهم وتحولت استثماراتهم إلى ركام.
أما بالنسبة للذين لم يطالهم الدمار المباشر، فقد تغيرت حساباتهم جذرياً، لم يعد الإبقاء على المنزل في منطقة “الضاحية” قراراً مالياً أو عاطفياً آمناً، بل أصبح مخاطرة وجودية مكلفة، لذا، تشير المعلومات إلى أن العديد منهم قرروا، متأثرين بحالة القلق، المضي قدماً في بيع منازلهم والانتقال إلى مناطق أخرى أكثر أمناً، غالباً ما تكون بعيدة عن خطوط الاستهدافات المحتملة، ولو اضطروا للتضحية بجزء كبير من قيمة ممتلكاتهم.
تترجم حالة عدم الاستقرار الاجتماعي هذه مباشرة إلى أزمة اقتصادية حادة في سوق العقارات، فإن أسعار الشقق والعقارات في الضاحية الجنوبية تدنت بشكل كبير، مسجلة انخفاضات حادة غير مسبوقة مقارنة بالمناطق الأخرى في العاصمة بيروت أو المحيطة بها، إذ تزايد عدد الشقق المعروضة للبيع بشكل دراماتيكي نتيجة قرار الأهالي بالنزوح والهروب من شبح الاستهداف، مما خلق ضغطاً هائلاً على الأسعار نحو الانخفاض.
ما يحدث في الضاحية الجنوبية يتجاوز كونه أزمة عقارية عادية، بل هو بمثابة نزيف اجتماعي واقتصادي في قلب النسيج الشعبي للجهة المسيطرة سياسياً على المنطقة، إضافة إلى فقدان الثقة في قدرة هذا المركز على توفير الأمن الأساسي، ما يدفع بقاعدته الشعبية إلى النزوح الاقتصادي القسري نحو مناطق أخرى، غالباً ما تكون ذات كلفة معيشية أعلى أو ذات انتماءات سياسية مختلفة.
