ما حصل في بلدة يانوح الجنوبية، قبل أيام، ونجاح الجيش اللبناني في منع إسرائيل من قصف منزل كانت هدَّدت باستهدافه بذريعة اعتباره “بنية تحتية عسكرية للحزب”، يعتبر تطوراً بارزاً في مسار الأحداث، وأدرجه الكثير من المراقبين تحت عنوان “آلية التحقق”، التي قد “تلجم” إسرائيل التي تهدد بتوسيع المواجهات، ولو مؤقتاً؛ على الرغم من أن “آلية التحقق” تُحقق في الوقت ذاته مكاسب لإسرائيل أيضاً إذ تلبيّ أحد أبرز مطالبها الرئيسية، وذلك من خلال انتقال الجيش اللبناني إلى تفتيش المنازل والممتلكات الخاصة، بمواكبة من لجنة “الميكانيزم” و”اليونيفيل”، والتي تدعي إسرائيل أنها تشكل معاقل ومخازن لـ”الحزب”، الأمر الذي كان يرفضه الجيش و”الحزب” على حدٍّ سواء في المرحلة السابقة.
بالتالي، هل تُثبت “آلية التحقق” نفسها في المرحلة المقبلة كمعادلة جديدة تسهم في “إحراج” إسرائيل وإبعاد شبح التصعيد، خصوصاً إذا ما تبيّن أنها تحظى بمباركة أميركية وعربية للتأكد من نزع سلاح “الحزب” بالكامل جنوب الليطاني، تمهيداً للانتقال إلى المرحلة الثانية ونزع السلاح في كل لبنان؟، أم أن إسرائيل ستواصل تنفيذ خطتها الموضوعة في سياق “العقيدة الأمنية” الجديدة بعد عملية “7 أكتوبر” والدروس التي تعلّمتها، والمتمثلة بعدم السماح لأي وجود مسلح والقضاء على أي مجموعات مسلحة على حدودها كافة قد تهدد أمنها في المستقبل؟.
المستجد الذي يمكن تسميته بـ”معادلة آلية التحقق” الجديدة، طرأ بعد التهديد الإسرائيلي بقصف المنزل في يانوح، فقام الجيش اللبناني بالتنسيق مع لجنة “الميكانيزم” بالكشف عليه ـ على الرغم من اعتراض وممانعة ما يسمّى بـ”الأهالي” في البداية ـ وأعلن خلوّه من أي أسلحة أو ذخائر، لكن إسرائيل عاودت التهديد بقصف المنزل، فحضرت على الفور دورية من الجيش وأعادت تفتيشه، بمواكبة “الميكانيزم”، من دون العثور على أي أسلحة أو ذخائر، فيما بقيت الدورية متمركزة في محيط المنزل منعًا لاستهدافه، وفي النهاية تراجعت إسرائيل عن قصف المنزل.
عن هذا التطور الذي طرأ على مسرح الأحداث جنوب الليطاني و”معادلة آلية التحقق” الجديدة، يقول الكاتب والمحلل السياسي، أسعد بشارة، إن “ما حصل في يانوح الجنوبية هو أن إسرائيل فرضت المعادلة التي كانت تطالب بها دائماً حول تفتيش المنازل والممتلكات جنوب الليطاني، توصلاً إلى اعتبار أن منطقة جنوب الليطاني خالية كلياً من سلاح “الحزب”.
ويعتبر بشارة، في حديث إلى موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن “ما شهدناه هو البروفا الأولى التي قبِل بها لبنان تحت ضغط التصعيد؛ فمنطقة جنوب الليطاني بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، يجب أن تُخلى تماماً من السلاح، سواء كان في المنازل أو الممتلكات أو في الأنفاق أو في الأودية أو في مركز أو موقع عسكري، أو في أي مكان”.
بالتالي، يضيف بشارة: “السؤال، هل هذا التطور الذي حصل في يانوح الجنوبية سيؤدي إلى تخفيف التصعيد الإسرائيلي؟. بالتأكيد هي خطوة إضافية، تضاف إلى رفع مستوى التفاوض في “الميكانيزم” وتعيين السفير السابق سيمون كرم؛ لكن الأخطر، الاتهامات الإسرائيلية المتصاعدة للجيش اللبناني بأنه يُسهِّل أو يتعاون مع “الحزب”، وهذه الاتهامات أُضيفت أيضاً كبند إسرائيلي على جدول الميكانيزم”.
بشارة يرى، أنه “يمكن القول اليوم إن الأيام الفاصلة عن المهلة المفترضة حتى نهاية العام الحالي، ستكون أياماً مفصلية، يتم فيها تحديد طبيعة المرحلة المقبلة مع مطلع العام 2026″، مشيراً إلى أن “لبنان سيقول من جهته بأنه نفَّذ ما عليه جنوب الليطاني بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، وإسرائيل، على الأرجح، سترفض من جهتها الإقرار بأن لبنان نفَّذ وأخلى منطقة جنوب الليطاني من السلاح”.
عندها، يتابع بشارة: “ستكون الأمور مرهونة بما سينتج عن اللقاء بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب و(رئيس الحكومة الإسرائيلية) بنيامين نتنياهو، في 29 كانون الأول الحالي في واشنطن، وهل ستُعطي الولايات المتحدة الضوء الأخضر للتصعيد الكبير؟ أم أنها ستمنح لبنان فرصة إضافية زمنياً للاستمرار في عمل الجيش واستكمال نزع السلاح تدريجياً، أو ما يُسمَّى الاحتواء؟”.
“هذا الأمر مرهون بقبول إسرائيل”، وفق بشارة، الذي يلفت إلى أنه “من الواضح أن إسرائيل تسلك مساراً متشدداً في لبنان بالنسبة لسلاح “الحزب”، وهي ليست في وارد أن تقبل بما يسمَّى “احتواء” السلاح أو “تجميد” عمل السلاح. هناك مطلب إسرائيلي بنزع كل السلاح من كل لبنان، لا سيما الصواريخ والمسيّرات، وفرض منطقة عازلة في الجنوب”، خاتماً بالقول: “نحن أمام أيام مصيرية”.

