
مع اقتراب عيدي الميلاد ورأس السنة، يجد اللبنانيون أنفسهم مرة أخرى في مواجهة معادلة صعبة، فبين الرغبة الجامحة في استراق لحظات من الفرح والهروب من ضغوطات الحياة، يقف جدار “الغلاء الفاحش” والأوضاع الإقليمية المتردية عائقاً أمام طموحاتهم البسيطة. في لبنان اليوم، لم يعد العيد مجرد مناسبة دينية أو اجتماعية، بل أصبح اختباراً قاسياً للقدرة على الصمود المعيشي.
على الرغم من محاولات تزيين الشوارع وإنارة الأشجار في بعض الساحات، غير أن الأجواء العامة تبدو “خجولة”، فالقلق من التغييرات في المنطقة والتوترات الحدودية يلقي بظلاله على نفسية المواطن، إذ يراقب اللبنانيون نشرات الأخبار قبل أن يراقبوا واجهات المحال التجارية، مما جعل الحركة السياحية والتجارية مرتبطة بشكل وثيق بحالة “الاستقرار الهش”. هذا التردد جعل الاحتفالات تقتصر على النطاق العائلي الضيق، بعيداً عن مظاهر البذخ التي كانت تميز بيروت يوماً ما.
عند الدخول إلى متاجر الألعاب، تصطدم العائلات بواقع مالي صادم. الأسعار التي تُعرض اليوم لا تتناسب إطلاقاً مع متوسط الرواتب التي لا تزال تعاني من تآكل قيمتها الشرائية. الهدايا التي كانت تُعتبر “بسيطة” في السابق، باتت اليوم تتطلب ميزانية خاصة قد تعادل نصف راتب موظف في القطاع العام، إذ أصبح تأمين هدية واحدة لكل طفل عبئاً ثقيلاً يثقل كاهل الأب الذي يحاول موازنة أولوياته، بين الغذاء وفرحة صغاره.
في محاولة من التجار لمواكبة ضعف القدرة الشرائية، امتلأت الرفوف بالبضائع المستوردة من الصين، ولكن، هنا تبرز مشكلة أخرى يواجهها “رواد المتاجر”؛ فالفجوة بين النوعية والسعر أصبحت شاسعة، إذ يشتكي الأهالي من أن معظم هذه الألعاب ذات جودة منخفضة جداً، وقد لا تصمد لأكثر من ساعات قليلة من اللعب، أما الألعاب ذات الماركات العالمية أو الجودة العالية فأصبحت حكراً على طبقة “الميسورين” أو من يتلقون تحويلات خارجية بالعملة الصعبة.
لكن على الرغم م نكل ذلك، يبقى عيد الميلاد في لبنان هذا العام شاهداً على إرادة الحياة رغم الألم، فبينما يكافح المواطن لتأمين ثمن “هدية” أو “سترة دافئة”، يبقى الأمل هو المحرك الوحيد الذي يدفعه للاستمرار، فالغلاء قد يحرم الأطفال من ألعابهم الفاخرة، لكنه لن ينجح في انتزاع روح العيد من قلوب شعبٍ اعتاد النهوض من تحت الرماد.