
“سيأتِي على الناسِ سنواتٌ خدّاعاتٌ؛ يُصدَّقُ فيها الكاذِبُ، ويُكذَّبُ فيها الصادِقُ، ويُؤتَمَنُ فيها الخائِنُ، ويخَوَّنُ فيها الأمينُ، وينطِقُ فيها الرُّويْبِضَةُ قيل: وما الرُّويْبِضةُ؟ قال: الرجُلُ التّافِهُ يتَكلَّمُ في أمرِ العامةِ”.
كم هو معبّرّ، ما نقله أبي هريرة من حديث نبوي شريف، على ما نسمعه في انتهاز التيار ورئيسه ووزرائه المتعاقبين وخاصة المتحدرات والمتحدرين من سكرتارية وزارة الطاقة، لموسم الانتخابات في محاولات فاشلة أخرى للنيل من حزب “القوات اللبنانية” الذي انتزع من “التيار الوطني الحر” بالوجه الشرعي والديمقراطي، الأكثرية الشعبية المسيحية بعد تجربة ممارسات الحالة العونية في الحكم التي لطالما وعدت وتعهدت بالتغيير والإصلاح وتوعدت الفاسدين من اللبنانيين رافعة لشعار التحرر منهم ومحاربتهم بعد أن حققت التحرير من المحتلين بحسب سرديتها وادعاءاتها.
على طريق التحرر هذا، وضع “التيار الوطني الحر” في التداول في 11 شباط من العام 2013 كتاب الإبراء المستحيل بعد انخراطه في الحكم عبر الحكومات منذ العام 2008 كنتيجة لغزوة 7 أيار، إذ كان الكتاب برنامجًا وسبيلًا سيحكم أداءه في وجه الفاسدين مصوبًا على المنظومة السياسية حصرًا وبشكل خاص على المدرسة الحريرية السياسية والمالية، على غرار ما سبق أن وعد وتعهد وتوعد في الكتاب البرتقالي، البرنامج الانتخابي لـ”التيار الوطني الحر” والذي على أساسه انتخب نواب تكتل التغيير والإصلاح، فكما حمّل الكتاب البرتقالي مسؤولية الانهيار الاقتصادي والسياسي والأمني للاحتلال السوري ولسلاح “الحزب”، حمّل كتاب الإبراء المستحيل مسؤولية الانهيار الاقتصادي لفساد الطبقة الحاكمة في الفترة الممتدة من العام 1992 حتى تاريخ إصدار الكتاب في العام 2013.
لقد ظنّ الكثيرون من حسني النية مع انتخاب ميشال عون رئيسًا للجمهورية، أن عهد التغيير والإصلاح مع تسلم “التيار الوطني الحر” مقاليد الحكم من ألفه الى بائه أمنيًا، سياسيًا، واقتصاديًا الأكثرية النيابية والسيطرة الحكومية مع الوزراء العونيين المحتلين للحقائب الأساسية السيادية والحيوية الحياتية، أن الرئيس القوي رئيس التكتل الذي يحمل عنوان لبنان القوي، سينفض الغبار عن كتابي الطريق الآخر والإبراء المستحيل… تعبيدًا لطريقي التحرر والتحرير الموعودَين، ليتفاجأ أن العهد الواجهة وظله، نفذا حرفيًا ما كان قد وثقهما الكتابان المذكوران كمخالفات وخطايا وارتكابات وتجاوزات، من عقود بالتراضي طبعت مسيرة الوزارات التي احتكرها التيار منذ العام 2008 وثبتها للحاشية من أمناء سر وأمينات، الى إقرار الموازنات بعد تسلم “بطل الإبراء المستحيل” لمقاليد الحكم ابتداء من العام 2017 من دون قطع الحساب والذي كان معيبًا ومستحيلًا في إبرائه المنشور في العام 2013.
ومع انكشاف فشل المنظومة العونية في الحكم وفي المجالات كافة من قطاعي الكهرباء والمياه والاتصالات والخارجية والداخلية والأمنية والسياسية والاقتصادية والمصرفية مع الهندسات المالية التي غرف منها التيار وحاشيته، منافعَ ومصالح وتبييض أموال، أحال التيار ورئيسه ومؤسسه الفشل والانهيار الى الحكومات المتعاقبة منذ العام 1992 حتى الـ2005، محملًا المسؤولية للرئيس رفيق الحريري، مبرئًا الاحتلال السوري الذي كان مٌمسكًا بالبلاد والعباد بيد من حديد في كافة التفاصيل، علمًا أن التيار عقد تحالفات في الحكومات والانتخابات وصداقات شخصية ـ مالية، كما تحاصص في التعيينات مع من اتهمهم وجرّمهم وأدانهم طيلة فترة حكم العماد ميشال عون التي امتدت من العام 2016 حتى العام 2025، اذ سلّم الرئيس المقبل بعد طول تعطيل على عكس ما وعد في 24 تموز من العام 2019.
“سأسلّم الرئيس المقبل وطنًا أفضل بكثير مما هو عليه اليوم”، و”الأفضل بكثير” وبالحكومات المتعاقبة ذات الاكثرية العونية لمسه اللبنانيون، مؤيدين ومعارضين للتيار وحكمه “غير الرشيد” مع تعبير الرئيس بعد وعده في 12 تشرين الثاني من العام 2019: “لي مش عاجبو يفل يهاجر”، ليعلن نجاح عهده ومسيرة تياره في الحكم في 21 أيلول من العام 2020، بعبارة معبّرة “رايحين عجهنم”.
ولأن رئيس “التيار الوطني الحر” وسكرتيرته في وزارة الطاقة لا يزالان يعيشان في زمن “الرويبضة” المنوّه عنه أعلاه، لم يتنبها الى أنه لم يمر بعد عام واحد على تسلم وزراء “القوات اللبنانية” لحقائبهم التي تعاقب عليها العونيون وحلفاؤهم لسنوات طويلة تتخطى عدد السنوات التي حكمت فيها الحكومات الحريرية وتذرع بها العونيون تبريرًا لفشلهم وارتكاباتهم وتجاوزاتهم وسقطاتهم. مع أن ذريعة مسؤولية الحكومات الحريرية المتعاقبة لم يطبقها لا عون ولا باسيل ولا تيارهما بالممارسة في الحكم والحكومات والإدارة والاقتصاد، بفعل الأمر الواقع التحالفي مع أركان تلك الحكومات، وبفعل انتهاج سياسة تلك الحكومات ومدرستها، يُسقط العونيون من حسابهم وافتراءاتهم تربعهم في السنوات الممتدة من العام 2008 وحتى الـ2025 في جنة الحكم والحكومة والإدارات والأجهزة، مقترفين مرتكبين غير منجزين مسلّمين للرئيس المنتخب العماد جوزيف عون ولحكومة الرئيس نواف سلام ووزراء الحكومة، وطنًا ودولة ووزارات وإدارات وأجهزة أسوأ بكثير مما استلمها ميشال عون وتياره في العام 2016 ووزراؤه في العام 2008، وتصح كلمة “التركة الثقيلة” العونية ـ الباسيلية في الحقائب التي استلمها وزراء القوات منذ أشهر، بعد سبعة عشرة عامًا على استلامها من العونيين وحلفائهم، أكثر بكثير مما تصح كلمة “التركة الحريرية” التي وإن استلمت لأقل من 15 عامًا، لم تحكم الا في ظل السيطرة السورية وحلفائها، عاد التيار العوني وتحالف وتآلف وولّف الاتفاقات والصفقات والتسويات والتعيينات مع خليفتها.
لأننا في زمن الرويبضة، فإن الإنجازات التي يقوم بها وزير الطاقة جو صدي ينسبها التيار الى خططه التي وضعها منذ عشرات السنين على الورق، من دون وضعها موضع التنفيذ على أرض الواقع.
عندما يتكلّم المنتقد أو المنتقدة في “أمر العامة” خاصة في وزارة الطاقة، تسقط من الحساب والمحاسبة أن الكهرباء سلّمها التيار العوني أسوأ بكثير مما استلمها، مع فارق كبير بين ساعات التغذية القليلة والفاتورة الباهظة الكبيرة من جيوب اللبنانيين والمودعين ومن اقتصادهم وخزينة دولتهم بعشرات مليارات الدولارات متراكمة على الدين العام، كإنجاز توج السبعة عشرة عامًا في الوزارة، مقابل ما اقترفه وزير القوات بعدم تكبيد الخزينة واحتياط المصرف المركزي وأموال المودعين فيه قرشًا واحدًا بسبب ما ارتكبه من تحسين الجباية التي تموّل التزود بالفيول والصرف والتكاليف… على عكس مسار “السنوات الخدّاعات” التي أدار فيها العونيون وزاراتهم وإداراتهم.
.jpg)