
لم يكن متوقعاً أن تتقدم أفريقيا سريعاً إلى واجهة أجندة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في ولايته الثانية، لكن عام 2025 أظهر أن القارة باتت جزءاً أساسياً من حسابات واشنطن، بين دول تُعامل كشريك محتمل وأخرى تواجه ضغوطاً متزايدة بفعل مقاربة تقوم على الأمن أولاً والصفقات المباشرة.
منذ الأسابيع الأولى، عاد الحضور العسكري الأميركي إلى الواجهة عبر ضربات جوية في الصومال استهدفت قيادات من تنظيم الدولة الإسلامية وحركة الشباب. هذه الخطوات بدت، في نظر مراقبين، مفارِقة لخطاب تقليص التدخل الخارجي، لكنها أعادت أفريقيا إلى قلب استراتيجية مكافحة الإرهاب الأميركية، وربطت ملفات الاستقرار بالتنسيق الأمني مع الشركاء المحليين.
لم يقتصر الاهتمام على الملف الأمني. ففي ملف الهجرة، شددت الإدارة القيود على دخول مواطني 12 دولة، بينها سبع دول أفريقية، بالتوازي مع قبول مجموعات محدودة من جنوب أفريقيا باعتبارهم “لاجئين”. وأثار ذلك نقاشاً واسعاً حول ازدواجية المعايير، وحول ما إذا كانت بعض الدول الأفريقية تُدفع لتتحمل أعباء إعادة التوطين والترحيل من دون مسار تنموي واضح يحولها إلى شريك فعلي لا مجرد مساحة لتصدير الأزمات.
اقتصادياً، برز التحول الأكبر في شعار الإدارة: “التجارة لا المساعدات”. فقد أدى قرار تفكيك الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) إلى تعطيل شحنات غذائية وطبية كانت متجهة إلى دول مثل السودان والكونغو الديمقراطية، في وقت أكدت فيه واشنطن أن المساعدات لم تعد محور السياسة الخارجية. ووجد هذا المنحى صدى لدى بعض القادة الأفارقة الذين يرون في المساعدات تدخلاً، بينما رحبت دول مثل غانا وبوتسوانا بفكرة شراكات أكثر استقلالية. في كانون الأول، اتجهت واشنطن إلى مقاربة “دعم مقابل مصالح متبادلة” عبر اتفاقيات صحية مع تسع دول أفريقية، من بينها كينيا ونيجيريا ورواندا.
في إطار “دبلوماسية الصفقات”، فرضت واشنطن رسوماً جمركية واسعة لتقليص العجز التجاري، ما دفع وفوداً أفريقية إلى التحرك بحثاً عن تفاهمات مباشرة. وفي يوليو، استضاف ترامب عدداً من الرؤساء الأفارقة في البيت الأبيض، بينهم الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، في محاولة لإعادة صياغة العلاقة بمنطق الصفقات الثنائية، بالتوازي مع ربط مسارات أمنية باتفاقات اقتصادية، كما ظهر في اتفاق سلام بين الكونغو ورواندا وُقّع في واشنطن.
في المقابل، واصلت الصين توسيع نفوذها الاقتصادي، إذ يُقدَّر أن تجارتها مع أفريقيا تفوق نظيرتها مع الولايات المتحدة بأضعاف، مدعومة بإعفاءات جمركية أعلنتها بكين في يونيو، ما عزز جاذبية نموذجها مقارنة بنهج الرسوم والعقوبات.
هكذا بدا 2025 عاماً مفصلياً: أمن متقدم على السياسة، وتجارة تحلّ مكان المساعدات، وتنافس متصاعد مع الصين… فيما ستتوقف النتائج على قدرة واشنطن وأفريقيا معاً على تحويل الصفقات إلى استقرار وتنمية، لا إلى ضغوط متبادلة فقط.