توافق مجلس الوزراء على استئجار بواخر لانتاج الكهرباء، بدءا من الخريف المقبل، وبطاقة 270 ميغاوات بدل 380 ميغاوات، مع تقصير فترة العقد من خمس سنوات الى ثلاث واعادة البحث في الاسعار، كما اعتماد تنفيذ محطة أرضية بطاقة 500 ميغاوات يبدو خطوة متقدمة نحو معالجة مشكلة مزمنة ومذلة في الوقت ذاته.
ان هذا التوافق تحقق بعد تجاذب سياسي عنيف وتأخير فترة سنة على الاقل. فالوزارة تجازف باستمرار اعتماد محطتي الزوق والجية خلال فصل الصيف وكلتا المحطتين تحتاج الى الصيانة وترفيع التجهيزات منذ سنوات. وقد تتعرض احدى المحطتين أو كلتاهما لاعطال جذرية فنعاني انقطاع الكهرباء الى حد أكبر صيفاً عندما تتعاظم حاجات التبريد ان للسكان بسبب الحر أم لحفظ المأكولات التي تعجل الحرارة المرتفعة في عفنها.
في 11 تموز 2011 حصل انفجار كبير في مخزن لحفظ الذخيرة الحربية في قبرص، وكان الموقع قريبا من محطة لانتاج الكهرباء تضررت الى حد دفع القبارصة الى قطع الامدادات الكهربائية بنسبة 40 في المئة، واستقالة عدد من الوزراء المعنيين بالشؤون العسكرية والطاقة.
الازمة في قبرص كانت تمثل كارثة اقتصادية لان اقتصاد قبرص يعتمد الى حد بعيد على حركة السياحة، ذلك ان عدد الزوار سنويا يفوق اضعافا مضاعفة عدد السكان المحليين، وحاجات الكهرباء للفنادق والملاهي كثيفة ولا يمكن تأخير توافرها.
سارعت قبرص الى تحقيق أمرين: من جهة ودونما اعتبار للكلفة اجريت اعمال اصلاح المحطة المتضررة بسرعة كبيرة وبادرت قبرص الى تلزيم اعمال البحث والتنقيب عن الغاز لشركة كانت حققت نجاحاً في اكتشاف الغاز قبالة شاطىء اسرائيل الممتد نحو لبنان، وتقارير الهيئات الاختصاصية الاميركية تشير الى ارجحية وجود كميات هائلة من الغاز وكميات ملحوظة من النفط على امتداد الحوض الشرقي للبحر المتوسط.
الغاز اكتشف بسرعة في المياه الاقليمية القبرصية وخلال سنتين سيتوافر، والقبارصة انجزوا اتفاقا مع اسرائيل لاستيراد 2000 ميغاوات بواسطة خط بحري سوف ينجز في سنتين على أقصى حد، وسوف تتمتع قبرص بطاقة كهربائية تقرب من 3000 ميغاوات.
قبرص الـ700 الف نسمة في المنطقة اليونانية من الجزيرة ستحوز 3000 ميغاوات من الطاقة الكهربائية المنخفضة الكلفة لاعتمادها لقيم الغاز الطبيعي، بدل الفيول أويل أو المازوت، وكلفة المصدرين أعلى بكثير، كما ان استعمالهما يؤدي الى تلويث البيئة بنسبة كبيرة، في حين ان التلوث من استعمال الغاز الطبيعي لقيماً شبه معدوم.
ان سرعة اتخاذ القرار وتنفيذه في قبرص ربما تبين للبنانيين أهمية اعتماد القرارات الاساسية للمجتمعات الحديثة بسرعة والاقبال على التنفيذ من دون تأخير.
هذه المنهجية ساهمت في رفع معدل دخل الفرد في قبرص الى مستوى 3,5 اضعاف معدل دخل الفرد في لبنان سنويا، علما بأن معدل دخل الفرد في لبنان عام 1974 كان ضعفي معدل دخل الفرد القبرصي. ويضاف الى منهجية القرارات السريعة والتنفيذ في قبرص، اعتماد قوانين حديثة لتأسيس الشركات واعتماد ضريبة دخل على مستوى 10 في المئة لجميع المؤسسات أكانت شركات قبرصية أم شركات "أوف شور"، كما اعتماد الطاقة الشمسية على نطاق واسع، فليس ثمة منزل أو مبنى في قبرص لا تعلوه الواح الطاقة الشمسية.
وقبرص تجيز وتشجع اعتماد سيارات المازوت منذ سنوات والطرق بين المدن الرئيسية جيدة، وجرى تمويلها من الصناديق العربية، وشبكات الاتصالات الخليوية خاصة، ولعل الامر الاعجب ان قبرص التي تشكو من ندرة الامطار، تؤمن توافر المياه للمواطنين والسياح بكفاية، لان قبرص انجزت مئات الاحواض لحفظ المياه شتاء من اجل استعمالات الربيع والصيف.
قرارات مجلس الوزراء المتأخرة كثيرا عن حاجات اللبنانيين وما يحدث في البلدان القريبة من لبنان، اشتملت على اقرار استعمال سيارات المازوت والغاز والتي تعتمد في تجهيزاتها ومحركاتها المعايير الدولية، ولا شك في ان الوزير باسيل كان على حق في المطالبة باعتماد هذه السيارات، لكنه صرح أكثر من مرة بأن هذه المنهجية سوف تحل مشكلة استهلاك البنزين، بيد ان الحل لن يتوافر بسرعة لان عدد السيارات التي تجوب الاراضي اللبنانية يفوق الـ1,6 مليون سيارة، وكي تكون هنالك على سبيل المثال 100 الف سيارة تعتمد المازوت أو الغاز أو البنزين والكهرباء (Hybrid) لا بد من انقضاء خمس سنوات منذ اليوم، وحينئذ يكون هنالك ستة في المئة من السيارات في لبنان تستهلك وسطياً نصف معدل استهلاك السيارات الاخرى، وهذا أمر مفيد لكنه لن يحل المشكلة.
ولعل أفضل ما توصل اليه مجلس الوزراء قطع حسابات موازنات السنوات العالقة، الامر الذي يمهد لاقرار موازنة هذه السنة، وتحويل مشاريع انمائية وخدماتية ملحة، وربما الاشارة الى موضوع التخصيص والترحيب بالمشاركة من الملامح التي تبعث على بعض التفاؤل بالجلسة الاخيرة لمجلس الوزراء، وهنا يطرح سؤال على الرئيس نجيب ميقاتي.
الرئيس ميقاتي كان أبدى تحفظات عن آلية استدراج عروض البواخر الكهربائية، علما بان الاستدراج حصل والعيوب يمكن تداركها، لكنه في الوقت ذاته اجاز لنفسه اعتبار عرض من شركة واحدة، هي مهمة ولا شك، لانتاج 500 ميغاوات خلال سنة بكلفة 480 مليون دولار، فلماذا لا يكون هنالك استدراج لعروض في هذا الصدد؟ وكان الرئيس ميقاتي أبدى ارتياحه الى ان ملكية المصنع الارضي تعود الى الدولة حتى بعد 25 سنة، فهل صار يا ترى بعيداً من فكرة التخصيص، على الاقل في مجال انتاج الكهرباء، ومن ثم توزيعها مع ابقاء النقل في حيز قرارات الدولة؟
قضية الكهرباء، تحتاج الى الكثير الكثير، وما طرح لا يشكل سوى حلول جزئية وموقتة تبدو باهتة مع ما يحصل حولنا، والسر الاساس في موضوع الكهرباء لقيم الغاز، وهذا متوافر باسعار منخفضة حاليا ولسنوات منظورة في المستقبل، وقد لا يبقى كذلك، فرجاء حضرة الوزراء ارتقوا الى مستوى زملائكم في قبرص على الاقل.