كلام جميل صدر عن رئيس الجمهورية ميشال سليمان، حول أهميّة التعاطي التقني والعلمي مع ملف الكهرباء، انطلاقاً من مصلحة الدولة والمواطن، وإبعاده عن التجاذب السياسي، "لأن الطاقة من مياه وكهرباء هي حق للمواطنين، واجب على الدولة تأمينه بالطرق الأفضل والأنسب، وبأعلى مقدار من الشفافية." وكذلك، صدر كلام مشجّع عن رئيس الوزراء نجيب ميقاتي، حول ضرورة تحييد الملفات الحياتية والمعيشية الملحّة عن التجاذبات السياسية والمصالح الشخصية الضيّقة، مذكِّراً بأن تأمين الخدمات العامة، بأفضل الشروط وأرقى المواصفات وأدنى الأسعار، هو واجب على الدولة وحق للمواطن، لأي طائفة أو مذهب أو حزب أو منطقة انتمى. وفي المقلب الآخر، حمل الوزير المتحمّس جبران باسيل الوثائق والملفات، التي يقول أنها ترتكز إلى دراسات توصي بإجراءات من ضمن "خطة متكاملة"، لن يرضى بحذف حرف واحد منها… وإلاّ، فالتحدّي، والتهديد بالويل والثبور وعظائم الامور.
قُضي الأمر في مجلس الوزراء، وبدا الجميع حريصاً على تأمين الكهرباء، ما بين بواخر مستأجَرة من هنا، وإنشاء معامل جديدة من هناك، وصيانة من هنالك… وتمويل شفّاف! لكن، المشكلة الأكبر تقع في ما هو أبعد من ملف الكهرباء، لتطال هيبة الدولة المتآكلة بفعل غياب روح القيادة وفريق العمل، وفي الجنوح نحو "الترقيع" والتأجيل والتسويات على حساب "منطق الدولة" والرؤية الواضحة الطويلة الأمد للحُكم… وكذلك، في غَلَبَة السياسة والمحاصصة والحسابات الشخصية على الموضوعية والمهنية والمصلحة العامة، وفي واقع أن المال العام أصبح "سائباً" بنظر "تجار السياسة" وإن ادّعوا عكس ذلك، وفي أن الإدارة أصبحت هرمة وشاغرة وفاسدة وغير منتجة، وفي أن أجهزة الرقابة غارقة في شبه غيبوبة… ناهيك عن أن نماذج المساءلة والمحاسبة والمعاقبة باتت نادرة.
فعلاً، أصبح البلد "مكهرباً" حتى من دون كهرباء، و"مشتعلاً" من دون نفط، و"مزنّراً" بالنار من دون الحاجة إلى جمر محلّي، و"مديوناً" من دون الإمعان في هدر الأموال العامة وسرقتها! فهل نتعجّب إن انحسر طموح المواطن اللبناني تدريجياً، وأصبح يُقاس بـ "كيلووات" الكهرباء، و"أوكتان" النفط، و"زفت" الطرقات، و"ميكرون" الهواء النقي، و"لقمة العيش" الصحية والسليمة… وأخيراً، بمدّة "صلاحية" تأشيرة السفر وتذكرة الـ "روحة بلا رجعة"؟
بات الجميع مسؤولاً عمّا آلت إليه الأمور، على كل الصعد والمستويات، ولا أسباب تخفيفية لأحد. فلنرفض هذا الواقع المتردّي، ولنسع جاهدين لوضع حدّ للانزلاق نحو الهاوية، اليوم قبل الغد… وإلاّ، فلا مَن يسألون، ولا مَن "يتكهربون"!.