#dfp #adsense

خاص – مراجعة في كتاب “القوات اللبنانية نشأة وتحوّل المقاومة المسيحية” (د. جوسلين البستاني)

حجم الخط

اتّسمت الصورة الدولية المُبكرة للحرب الأهلية اللبنانية بانقلاب في السردية، إذ أُعيد تصوير المسيحيين، على الرغم من كونهم من بين الأهداف الأولى للعنف المُسلّح الفلسطيني واليساري، على أنهم المُعتدون الرئيسيون. وذلك، من خلال هيمنة الأطر التفسيرية الإعلامية “المضادّة للإمبريالية” التي كانت سائدة في تلك المرحلة، والتي صوّرت الجماعات المُسلّحة الفلسطينية مُسبقًا كضحايا للظلم الاستعماري، فيما صُوِّرت القوى المسيحية اللبنانية على أنها قوى رجعية تدافع عن وضعٍ قائمٍ غير شرعي.

فعند اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، كانت المدن والقرى المسيحية من بين أولى المُستهدفات لهجمات الجماعات الفلسطينية واليسارية المُسلّحة داخل لبنان. ومع ذلك، غابت هذه الموجة الأولى من أعمال العنف إلى حدٍّ كبير عن التغطية الإعلامية الدولية. وبدلًا من تصوير الجماعات المسيحية اللبنانية على أنها في موقع ردّ الفعل إزاء تلك الهجمات وإزاء العسكرة المتزايدة لمنظمة التحرير الفلسطينية، جرى سريعًا تقديمها بوصفها المُعتدي الرئيسي في النزاع.

من جهة أخرى، خسر المسيحيون أيضاً حرب المعلومات على المستوى اللغوي، إذ جرى توصيف مقاتليهم ومن بينهم “القوات اللبنانية” بأنهم أفراد “ميليشيات” و”قوى يمينية”، بما تحمله هذه المصطلحات من دلالات سلبية ومعانٍ إيحائية، في حين وُصف مقاتلو منظمة التحرير الفلسطينية بـ”الفدائيين” و”المقاومين”.

ويجدر التنويه إلى أن التعاطف الواسع مع القضية الفلسطينية، إلى جانب المناخ السياسي السائد في سبعينيات القرن الماضي، أسهما في ميل السرديات الإعلامية الغربية إلى تصوير العنف الفلسطيني على أنه “مقاومة”، مقابل تقديم ردود الفعل المسيحية على أنها طائفية أو مُتطرّفة. وقد أدّى هذا الانقلاب في توصيف الأدوار إلى طمس أصل الصراع، وأسهم في ترسيخ صورة دائمة للمسيحيين اللبنانيين بوصفهم “أشرارًا”، لا أطرافًا تردّ على عدوانٍ مُسلّح.

بالتالي، إذا كانت الحروب الأهلية نادرًا ما تُكتب بلغةٍ هادئة، وإذا كان العنف نادرًا ما يُقارب بوصفه ظاهرة تاريخية لا بوصفه موضوعًا للإدانة الأخلاقية، فإن الذاكرة اللبنانية ما زالت مثقلة بتجربةٍ مشحونة بآلام تتجاوز القدرة على تحليلها ببرودة. ففيها يتداخل السياسي بالوجودي إلى حدٍّ يصعب معه الفصل بين ما جرى فعلًا وما أُعيد بناؤه سرديًا. تبعاً لذلك، يكتسب كتاب نادر مومنه أهمية خاصة، إذ يقدّم رواية مُتماسكة عن نشوء “القوات اللبنانية”، ويسعى إلى مقاربة هذه النشأة من داخل منطقها التاريخي والتنظيمي، مُتجنّبًا الأحكام المُسبقة والانزلاق إلى إدانة جاهزة.

وعلى الرغم من مَيلي نحو التحليل النقدي غير التصالحي، فإن مراجعتي تجنّبت الدخول في سجال أيديولوجي، بل تركّزت على تفكيك اللغة التي كتب بها نادر مومنه التاريخ. فهولا يسعى إلى استعادة أحداث الماضي بقدر ما يسعى إلى تنظيم الوقائع التي ساهمت في تكوينه، ولا يهدف إلى تبرئة التجربة أو إدانتـها، بل إلى فهم الشروط التي أحاطت بتكوّنها. وفي هذا الإطار، يطرح الكتاب سؤالًا يتجاوز موضوعه المباشر: كيف يُكتب تاريخ الحروب حين يصبح جزءًا لا يتجزأ من بنية سياسية؟ وأي لغة يمكن أن تعكس هذا التاريخ دون أن تؤثر على إنتاجه؟

يقدّم نادر مومنه في كتابه قراءةً مُنظّمةً لِنشوء “القوات اللبنانية”،ُ مرتكزًا على سردية توثيقية دقيقة تُضيء على مراحل التكوين والتحوّل داخل البيئة المسيحية خلال الحرب الأهلية. ومن أبرز إيجابيات هذا الجهد البحثي أنّه لم يكن محكومًا بإطار تفسيري يُخفّف من مساءلة العنف بوصفه خيارًا سياسيًا، بل قدّمه كنتيجة شبه حتمية لانهيار الدولة، معتبرًا إياه مرحلةً انتقاليةً ضروريةً، لا خيارًا سياسيًا قابلًا للمساءلة.

تكمن قيمة كتاب نادر مومنه في غناه التوثيقي وصرامته المنهجية، لا في قدرته على تفكيك بنية العسكرة في المجتمع اللبناني بعد نيسان 1975. فهو لا ينتمي إلى الأدبيات التعبوية أو السرديات التبريرية التي غلبت على الكتابة عن الحرب الأهلية، بل يُعدّ من الدراسات القليلة التي تناولت نشأة “القوات اللبنانية” من منظور بحثي منهجي، مُتَبنٍ مقاربة توثيقية دقيقة، تعكس رصانة معرفية عالية، ومُركّزة على فهم الظاهرة كنتيجة لمسار تاريخي مأزوم. وتتمثّل قوّة هذا العمل أساسًا في اعتماده منهجًا تحليليًا دقيقًا يقوم على الوقائع، مع تتبّع زمني مُحكَم، وإجراء مقابلات وشهادات، والغوص في الأرشيف السياسي والحزبي، ما يمنحه مصداقية نادرة ويجعله نموذجًا للبحث التاريخي المنضبط في دراسة الحروب اللبنانية.

أما إذا اعتبرنا أن كثرة التفاصيل في سرد الأحداث التاريخية قد تؤثّر على انسياب الأفكار أثناء القراءة، فمن الممكن تجاوزها دون المساس بالمعنى. والواضح أن التركيز على التفاصيل يهدف إلى تدعيم الوقائع وإثباتها بشكل لا يترك مجالًا للشك، وهو الجانب العلمي لأي بحث جدّي، لذلك لا يُعدّ عقبة أساسية تؤثّر سلبًا على المضمون. الأهمّ من ذلك، أنّ القارئ، رغم ضخامة المُجلّد، لا يشعر بالمللّ، بل يعيش تجربة تشبه مشاهدة فيلم وثائقي يُعيده إلى سنوات الحرب وما رافقها من آمال وخيبات. أسلوب الكتاب سَلِس وينتمي إلى “السهل المُمتنع”، غير مُثقل بالنظريات العلمية على الرغم من أهميّتها، إذ يهدف أولاً وآخراً إلى إلقاء الضوء على حقبة من تاريخ لبنان لم يُنصف فيها التاريخ المقاومة المسيحية.

وإذا ما أجرينا مقارنة مع الأدبيات الأخرى التي تناولت هذا الموضوع، يتبيّن أن عمل نادر مومنه يختلف عن الكتابات الحزبية التي تميل إلى التبرير أو التمجيد، حتى ولو لم يصِل إلى مستوى التفكيك النقدي الموجود في بعض دراسات الحرب الأهلية. فكتابه يَصِف أكثر مما يُفكّك؛ وإذا تجنّب مساءلة مشروعية العنف أو أثره المجتمعي، فذلك ليس نتيجة انحيازٍ ما، بل لأن هدفه ليس النقد، بل التوثيق وإدماج لحظاتٍ عاشتها إحدى المجموعات اللبنانية قبل أن يمحوها الزمن. ومن هذا المنظور، يتعامل الكتاب مع نشوء “القوات اللبنانية” كـ”استجابة تاريخية” أكثر من كونه خيارًا سياسيًا قابلاً للنقد.

من جهة أخرى، ما يميّز مقاربة نادر مومنه هو واقعيتها واعتمادها الواضح على الوقائع التنظيمية، كما أشرنا سابقًا: كيف تشكّلت القوات اللبنانية، وكيف جرى توحيد الفصائل المُتعدّدة، ثم وصف البنية القيادية، وصولًا إلى توضيح العلاقة بين الأحزاب المسيحية. كما يتضمّن الكتاب تفكيكًا لمفهوم “المقاومة المسيحية”، مع محاولة الفصل بين الخطاب السياسي والوقائع العسكرية، مرّة أخرى دون الانزلاق إلى خطاب تبريري مباشر.

في هذا الإطار، لا تكمن أهمّية هذا العمل في تقديم أحكام نهائية، بل في فتحه مجالًا للتفكير في كيفية إعادة بناء التاريخ عندما تصبح الحرب جزءًا من البنية التنظيمية. كما يُضيء على الطريقة التي تُصاغ بها الذاكرة السياسية بلغة توثيقية تُخفّف من حِدّتها من دون التأثير على مضمونها. وبذلك، يفتح الكتاب المجال للتساؤل حول العلاقة الإشكالية بين كتابة التاريخ ومسؤولية الذاكرة، من دون أن يدّعي امتلاك تفسير نهائي.

أخيرًا، في علم التواصل السياسي، يُنظر إلى الكلام بوصفه فعلًا ينطوي على قَدَر من الاستسلام، إذ إنّ كل كلمة قابلة لأن تُستخدم ضدّ صاحبها تبعًا للظروف. غير أنّ ما يرد في كتاب نادر مومنه يصعب توظيفه لتوجيه النقد ضدّه، إذ يتناول موضوعًا يكاد يكون من المستحيل مقاربته بموضوعية كاملة. وينطبق الأمر نفسه على فهم التاريخ أو الأحداث السياسية الماضية، حيث لا مفرّ من أن يمرّ التفسير السياسي عبر العاطفة والهوية والذاكرة الجماعية، وهو ما يؤثّر في اختيار الحقائق وتأطيرها واسترجاعها. وتؤكّد الأبحاث المعاصرة في علم الأعصاب، ولا سيّما تلك المتعلّقة بدور العواطف في السياسة، هذه الحقيقة، إذ تُظهر أنّ العمليات العاطفية ليست هامشية في الحكم السياسي، بل تشكّل عنصرًا أساسيًا فيه. ومن ثمّ، وبعيدًا عن وهم المراقب المُحايد، ينخرط الأفراد والمجتمعات في التاريخ السياسي عبر آليات معرفية تربط العقل بالعاطفة، ما يجعل الموضوعية الخالصة طموحًا نظريًا أكثر منها واقعًا قابلًا للتحقّق.

ومع ذلك، استطاع نادر مومنه تجنّب فخّ التحيّز من خلال التمسّك بالوقائع التاريخية، فلم يحِد عن مسارها، بل تتبّعها بدقة وصولًا إلى خاتمة الكتاب.

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل