#dfp #adsense

نظامٌ يحتفل بنهاياته…

حجم الخط

كانت الأيام الماضية حافلة بأحداثها السياسية ولافتة المواقف التي أُعلنت، سواء بالاتفاق على مهمة كوفي أنان ونقاطه الست من قبل روسيا وغيرها وصولاً إلى النظام، أو بإعلان مؤتمر اسطنبول للمعارضة وثيقة العهد أو بتقديم "إخوان" سوريا رؤيتهم الجديدة، أو بزيارة الرئيس الأسد لحي بابا عمرو "الذي دمره الإرهابيون" (بحسب ما أذاعت وسائل إعلام النظام الديموقراطية)، أو باستمرار الجيش الرسمي الخاص في عملياته الإرهابية واستمرار الثوار في المقاومة لاسقاط النظام… وأخيراً توغل الجيش السوري في الأراضي اللبنانية وقصف المنازل والمناطق، كإشارة واضحة إلى أن حدود النظام ما زالت تمتد إلى لبنان.

من الطبيعي أن تكون هذه الأحداث مترابطة ومتداخلة ومتشابكة في نتائجها وآثارها لتُعبِّر بالمؤتمرات والاعلانات والمعارك… عن المواقع التي أدركتها الأوضاع في سوريا. أقصد الصراع الشعبي والدفاعي المسلح الذي تقوده الثورة في مواجهة الآلة العسكرية للبعث ومشتقاته… للإجهاز على هذه الانتفاضة التاريخية. ونظن أن أول ما يمكن لحظه هو ظهور عالمين نقيضين، عالم قديم مُترَحِّل يمثله النظام: دكتاتورية الحزب العائلي والقبلي الواحد، والرؤيا الديموقراطية لسوريا الأخرى التي تجسدها المعارضة بأطيافها لا سيما "المجلس الوطني".. وصولاًَ إلى الجيش الحر.

أول ما يظهر على الخارطة سوريتان اثنتان: سوريا العهد البائد النافل، وسوريا الجديدة، وهذا ما تجلى 1) في اعلانين تاريخيين،إعلان "الإخوان" الذي أوضح بدقة تصوره لوطنه: "دولة مدنية، تعددية، ديموقراطية، قائمة على المساواة بين المواطنين، وعلى ارادة الشعب في تقرير شكل النظام". وذلك في المؤتمر الصحافي الذي عقدته قيادات الأخوان. وهذا يعني، قبل كل شيء، ازالة الالتباس والرد على مزاعم النظام بأن "اخوان سوريا" سيقيمون دولة إسلامية سنية تسحق الأقليات والأحزاب والشرائح والطوائف، والمذاهب بل كأنها رد على ما تفوه به بعض المسؤولين الروس، بأن الانتفاضة ستحول سوريا دولة سنية بحكم اغلبيتها المطلقة.

والاعلان الآخر الذي تم الاتفاق عليه في المجلس الوطني وتُليتْ بنوده تحت عنوان "وثيقة العهد" والتي تلتقي وتصور الأخوان: أ) سوريا دولة مدنية ديموقراطية تعددية مستقلة وحرة ذات سيادة هي ملك حصري للشعب من خلال العملية الديموقراطية، ب) سوريا الجديدة جمهورية ديموقراطية تقوم على الحياة الدستورية وسيادة القانون الذي يساوي بين المواطنين، ج) عدم التمييز بين أي من مكونات المجتمع السوري الدينية والمذهبية والقومية من عرب وكرد واشوريين وتركمان… د) ينتخب الرئيس السوري بحرية… هـ) استقلال القضاء، و) تكفل حقوق المرأة وحريتها، ومساواتها بالرجل في جميع المجالات ، ز) تخضع القوات المسلحة للسلطة السياسية، ح) استعادة سوريا دورها الفاعل في محيطها العربي، طـ) تعمل سوريا على تحرير الجولان المحتل بكل الوسائل المشروعة…

وإذا عدنا الى وثيقة الأزهر في مصر نجد ما نجد من نقاط مشتركة بينها وبين رؤى اخوان سوريا والمجلس الوطني، وصولاً إلى ما صرح به "اسلاميو" تونس من تمسكهم بنظام تعددي، مدني، سياسي، عادل… ففي مثل هذه اللقاءات المتصلة بمفهوم الدولة نرى بوضوح، انه معالم زمن جديد فعلي، ملموس، لمكونات تتجدد في بناء دولة حديثة قائمة على الديموقراطية والحرية وارادة الناس. انه الفعل الجماعي المتداول الذي يتجلى في تعددية تجمع بين السياسي الديني والعلماني، والقومي واليميني والاثني والاجتماعي. انه العالم المقبل، الذي يصنعه الشعب، خارج الاكراه والضغط والقمع والرعب والقتل الذي مارسه النظام القديم. وإزاء هذه المواقف العالية يزور الرئيس بشار الأسد حي بابا عمرو، "بلباس مدني" ليتفقد الكوارث والخراب وآثار الموت والدمار التي بفخر واباء احدثتها آلته الحربية والعسكرية. هنا نهاية مرحلة وان بدا انها تزوّق بانتصارات (على مين!) وهمية، او برسائل موجهة إلى من يعنيهم الأمر، وخصوصاً الحلفاء كايران وروسيا… وصولاُ ربما إلى اسرائيل. بل كأنها زيارة الوداع زركشت بورود الاستقبال، الزيارة الأخيرة التي يتفقد فيها المُولّون ما صنعت ايديهم في شعوبهم ولكن ايضاً ما صنع تساقطهم! زيارة الأسد والأخوان اعلانات المعارضة والجيش الحر وصولاً إلى وثيقة الأزهر.. وتوضيحات تونس وعودة إلى ثورة 14 آذار..؛ انها لغة الانتصارات القديمة التي كانت تفبركها الأنظمة الدكتاتورية وتذكرنا بالمناسبات التاريخية التي كانت تحتفل بها وتتشدق بظفرها، لتموه صورها السوداء وهزائمها؛ كيف لنظام "يحتفل" (بلا ناس) "بانتصاره" على شعبه المشرد في الوقت الذي ما زالت فيه اجزاء محتلة من ارضه سواء في الجولان أو في لواء اسكندرون؟ اكثر: ألا يتساءل الناس لماذا لم يكن النظام في الجولان بجيوشه وطائراته ودباباته وشبيحته يُحيي ذكرى استرجاعه ارضه السليبة! الا اذا كان يعتبر ان احتلال حي بابا عمرو.. يغنيه عن تحرير الجولان، وهو المفهوم الذي اعتمده هذا النظام في لبنان، عندما رأى ان التخلي عن الجولان ثمنه احتلال لبنان والقضاء على المقاومة الفلسطينية وعرقلة كل احتمال لمصالحة وطنية لمواجهة اسرائيل. فكم كان غريباً وجود الرئيس الأسد بين أطلال حي بابا عمرو، وكأنه ومن دون ان يدري يرثي عالمه الخاص المدمر: انها آخر علامات النظام يتحسسها في حمص. انها علامات الثورة الشعبية: اصداء صراخ الأطفال والأمهات وظلال النعوش والجثث المقطعة وعويل الثكالى لكن ايضاً الشجاعة والنبل والصمود.. قد لا تصمد الاشياء والمنازل والأحياء امام الآلة العسكرية والهمجية والجنون… لكن صمود الانسان صمود الشباب صمود الأحرار، والايمان… فهي اقوى من الحجارة والقلاع. قد يكون النظام "ربح" في تدمير الحجر لكنه خسر الخسارة الكبرى امام الناس والعالم والتاريخ. وعندما تصير البلدان أطلالاً وركاماً يصير النظام أجزاء منها، ولهذا لم أرَ فارقاً كبيراً بين زيارة الأسد لركام بابا عمرو ونظامه. وعلينا، ان نتوغل إلى ابعد من هذه الجدران المهدومة، وهذا الفراغ الضارب حول الزيارة (وكأنها زيارة لأمكنة معزولة!)، إلى حيث الحياة، إلى حيث الناس، إلى حيث الشموس الساطعة، وراء الجبال، وفي المخابئ وفي الملاجئ وفي الساحات، فهناك البدايات التي تعلن نفسها كل يوم. زيارة بائسة تختصر آخر ما لدى النظام من حلول. وتبشر بكل ما لدى الثوار من احلام. هنا لغة الصمت الحديد، الأبكم، لغة الموت، وهناك لغات الحياة بلا عدد. وتسأل: أي زيارة هذه "لحي" وأجزاء كبرى من سوريا خارج سيطرة النظام. أيكون "حي" أو بلدة… او مدينة بدائل من هزائم تتلاحق به في الساحات والميادين والتظاهرات، والمناطق المحررة. أهذا كل ما تبقى لنظام طغى عدة عقود… وهيمن بقوة الحديد والنار على إرادة ناسه: أهذا كل ما تبقى من النظام: صورة تذكارية مترددة على خلفية خراب ودمار وسط رهط من الموظفين والمخبرين يهتفون ويسائلون ويهللون. صورة تذكارية بلا "زوم" ولا ظلال. كأنها حلت محل الشخص، فكيف يتحول رمز نظام مجرد صورة بكاميرا "خفية"، أو بديكورات مفبركة، أو بفراغ مخيف! وأي لغو هذا الذي يصدر من أصوات بلا أجسام. وبلا وجوه. أصوات اصطبغت بالدم. والجنون والهلوسة أصوات كأنها آتية من ظلمة القبور لتحط على ظلمة النظام.

وأي مقارنة بين أطلال بابا عمرو واطلال النظام، وبين مؤتمر المجلس الوطني، ووثيقتي الأخوان والأزهر وتونس وقبلها 14 آذار، والتظاهرات الشعبية… تفضي إلى احتفال بالنهايات هناك وبين الاحتفال بالبدايات وان كان طعم الدماء والموت والحزن والدم والشهادة والأسى يمتزج بالكلام العالي، سقط البعث في لبنان، وكان السقوط المدوي الأول الذي بشر بثورة سوريا… الجديدة. وكان الجلاء الأول الذي التمع في الجلاء الثاني. هناك في بابا عمرو نهاية الكلام والأفكار.. وهنا مع الثوار إعادة الكلام إلى منابته الأولى، إلى ينابيعه الأولى، الحرية والديموقراطية والحياة وثقافة المستقبل وصناعة التاريخ والعروبة. كأن وثيقة المجلس الوطني واعلان الإخوان استرجاع وجوه العروبة بعدما نفاها النظام إلى بلاد فارس، فأي عروبة هذه ترمي مصائرها وأوراقها في أيدي ولاية الفقيه الإيراني، أو روسيا أو الصين: إذاً عودة الشعب السوري لممارسة عروبة حية، مفتوحة، عديدة الاحتمالات والقراءات أبعد من أنظمة استلبتها ومن شعارات دفنتها. وعندما نقول العروبة نقول الأرومة الشعبية والتاريخ والجغرافيا واللغة، ونقول الأرض: وها هو الجولان يتصدّر الكلام الآتي، بعدما كان محرماً على الناس، وعلى الألسنة ذكره محروساً، احتلاله بجيوش الممانعة، فكيف يمكن ان يحرر نظام أرضه اذا كان لا يؤمن بالحرية. وكيف يمكن ان يبادل نظام سيادة بلده بانتهاك سيادة بلد شقيق أو حتى بعيد؟ من كان يجرؤ قبل الثورة على ان يطالب بتحرير الجولان هذا الجزء السوري العربي من العدو الاسرائيلي. فالممانعة تعني أولاً واخيراً نسيان الأرض المحتلة… مقابل بقاء السلطة والدكتاتورية والعبث والفساد. كيف لسلطة قتلت وصفت مئات الألوف من شعبها ومن جيرانها العرب ان تتكلم على الممانعة، من دون ان تصيب جندياً اسرائيلياً واحداً من السبعينات..

ولكي يكمل النظام صورته التاريخية الراسخة ها هو يحاول نقل الحركة إلى لبنان، ويتوغل في أراضيه ويقصف المهجرين والمنازل ويعتدي على الآمنين. (الجولان قريب جداً فلماذا لا يوجه هذا النظام بوصلته الضائعة إليه) وهل يجرؤ شجعان النظام على انتهاك الأراضي التركية (لواء اسكندرونهم على الخارطة التركية، وقد شطب من الخريطة السورية! يا للسيادة المكتملة) تقابله مواقف مُشينة، في حكومة العمالة اللبنانية واللصوص والفساد والصفقات! فلا الجيش يقوم بدوره في حماية الحدود الشمالية، ولا أحد من المسؤولين السياسيين "الممانعين" و"المقاومين" (من غير شر) يقوم بالتنديد بانتهاك سيادة بلده. وخصوصاً جنرال التحرير المزعوم: انه يعتذر من النظام السوري لتجاوز بعض الأحزاب اللبنانية اتفاق الطائف والتدخل في شؤون الشقيقة. (وكأنه والشقيقة كانا مغرومين باتفاق الطائف) لتبرير اعتداء النظام على الحدود اللبنانية. فكأن الجنرال يريد لبنان بلا حدود، فلماذا لا يطالب بطل التحرير وجنرال الممانعة بترسيم الحدود بين لبنان وسوريا: اترى لبنان هو الذي يرفض أم سوريا؟ كل هذا يعني أن هذا النظام "فالج لا تعالج"؛ ما زال يعتبر سوريا ملكية عائلية، ولبنان جزءاً من هذه الملكية، ولهذا ولو عدنا إلى نقاط انان الست، والتي يغيب عنها بند تنحي الرئيس، فان أي نقطة تنفذ منها كفيلة باسقاطه. والسؤال: إلى متى يبقى هذا النظام العليل في غرفة العناية الإيرانية الروسية الفائقة؟ إلى متى يبقى في غيبوبته الدموية؟

لكن، أياً تكن المواقع والمواقف التي يتخذها، فان الشعب السوري الحر اختار طريق سوريا الجديدة، لأنه بات يرفض العودة إلى سوريا القديمة، سوريا الاستبداد، والفساد والتواطؤ على السيادة، سوريا العائلة المقدسة، ذلك أن العالمين، عالم دكتاتورية القبيلة الواحدة، وعالم الشعب الحر الذي كسر القيود، لم يعودا يلتقيان… باذن الشهداء والأحرار والمناضلين!
أما هذه الزيارات المظفرة.. فانها آخر الصور التذكارية، صور الوداع، والتلويح بمناديل الدم!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل