#adsense

القوات اللبنانية… وواحد منّا

حجم الخط

مسيرة سمير جعجع جديرة بالتأمّل، أكنتَ مع الرجل أو ضدّه.

بالأرقام: أقلّ من تسعة أعوام في قيادة القوات اللبنانية، تلاها أكثر من أحد عشر عاماً في المعتقل. حتى اليوم، بعض أخصامه، وبعض حلفائه، عندما يتكلّمون على سوابق الرجل، يقصدون في قرارة النفس "سابقة" صعوده السياسي، وإلّا فأحجار كثيرة تُرمى عليهم. هم، وصلتهم الزعامة بملعقة ذهب، وهو انتزعها انتزاعاً في شريعة الغابة اللبنانية. وفي قرارة نفسه، يعرف هذا الرجل، أنّه ممنوع عليه الاطمئنان إلى وضعه. وأنّه إن لم يتابع أدنى تفصيل، وإن لم يسهر الليل متابعاً أخصامه… والحلفاء، قد يعود الى المعتقل أو إلى البيت أو يقصد عوالم أخرى. في لبنان الزعيم زعيم، قبل أن يُولد، ومتى وُلِدَ، وُلِدَ معه ابنه الزعيم… الذي سيولد. سمير جعجع لا يملك هذا الامتياز. لكنّه في المقابل، عندما يكون في المعتقل، يشعر باطمئنان أكثر إلى "زعامته" ممّا لو كان حرّاً. وعندما يكون حرّاً، يعرف أنّه ليس بمنأى عن مساءلة الأنصار، قبل أيّة مساءلة أخرى. خجل ابن الطبقة الوسطى، لن يفارقه. والخجل هنا ليس بمعناه الشخصي فقط، بل بمعنى الضمير الوازع. لذلك يحاول أحيانا أن يخفي خجله، بمقاربة الواقع والاشخاص بالسخرية الطريفة وعبثية الوقائع.

في ضوء ما سبق، وبعد ثمانية عشر عاماً على قرار حلّ الحزب، كم كان ذلك القرار بلا معنى. وعلى رغم المعاني العميقة للاحتفال بتلك الذكرى، لا أستطيع أن أمنع نفسي عن بعض السخرية والطرافة والعبثية في واقعنا. إحتفال بذكرى حلّ حزب لم يُحَلّ! عندما سئل سمير جعجع في إحدى جلسات "المحاكمات"، لماذا اختار كاتب هذه السطور واحداً من بين الأعضاء الخمسة المؤسسين لذلك "الحزب"، أجاب لأنّه بارع في الكتابة. وعندما سئل كاتب هذه السطور من إحدى الصحف يومها، لماذا هو "مع جعجع" قال: لأنّه "واحد منّا"! و"النحن" هنا لا علاقة لها بالمفهوم الحزبي. هو ابن فريد جعجع، ويريد أن يُحدِثَ تغييراً في المجتمع ويريد أن ينسجم الواقع مع الأفكار. غيره ربّما ينادي بالأفكار عينها، ولكن ليس من مصلحته أن يتغيّر الواقع! هو "واحد منّا"، لكنّه أكثر جرأة وصبراً وجَلَداً. لا يميّزه "عنّي"، إلّا أنّني أعتقد أنّ للتضحية مقداراً وأوقاتاً ومحطّاتٍ، لكنّ هذا "الواحد منّا" يزن بميزان آخر. هذا الرجل ظلم القوات اللبنانية وكثيراً من رفاقه، فهو لا يحبّ ولا يريد، ما هو قادر عليه. ويريدك على منواله. يبحث دائما عن الأصعب. النيابة في جيبه، والوزارة في متناوله، وعينه على منصب آخر! سمير جعجع "حال طوارئ" دائمة. وبقدر ما يُفرِحُ رفاقه لأنّه يناكف هذه "الطبقة الحاكمة"، لا يدع أحداً من الرفاق يتمتّع بالراحة. على الدوام يلاحقك بالحاجة الى المثابرة والعرق والدم والتضحيات، ولا يجعلك تتناسى الأخطار المحيطة. في لغته السياسية الفرج على بُعد عقود من السنين! ورغم ذلك ألوف راضية به! ربّما لأنّه "واحد منّا". قيادته ستبقى بين هلالين. ماضياً: بين هلال الثكنة، وهلال المعتقل. وحاضراً: بين هلال المعتقل، وهلال الحزب الجديد. وغداً: بين هلال الحزب، وهلال القصر. وبعد… بعد غد: بين هلال بشرّي وعين الرمّانة، وهلال السماء. في أعماقنا هو عابر في السلطة، ولو بقي في سلطة الحزب والدولة دهراً! آخر ما شغل اهتمام بشير الجميّل، يوم أسّس القوات اللبنانية، أن يستصدر لها إجازة رسمية، وآخر ما شغل سمير جعجع أنّ تلك الورقة ألغتها حكومة. اليوم يعد سمير جعجع بأنّ حزباً جديداً سيقوم. وقوّة سمير جعجع، ليست في تجديد الحزب وبنائه فقط، بل بقدرته على نقض صورة أكثر أحزاب لبنان. تلك الأحزاب التي تنادي بالديمقراطية لكنّها تمنعها في داخلها.

قوّة سمير جعجع أنّ مقرّ حزب القوات اللبنانية، لن يرتبط بقصر أو بلدة أو حَي. كان المقرّ في المدوّر، ثم صعد الى غدراس، بعد أن استقرّ لفترة في زوق مكايل، واليوم في معراب. لم يكن يوماً في بشرّي! بعض الأحزاب الأخرى لا تنفصل عن مساقط رؤوس وارثيها. قوّة سمير جعجع أنّه أوّل "شماليّ"، لديه أنصار في مرجعيون والقاع وجونيه والقبيّات. "واحد منّا"، أعاد جبل لبنان إلى "حدوده الطبيعية"، بعدما سلخ عنه الإقطاعيون أربعة أقضية وأكثر! بعض "الشماليّين" و"البقاعيّين" و"الجنوبيّين"، تبجّح أنّه في يوم ما "حفظ منطقته"، ونسي أنّ الوطن كلّه كان مستباحا. هذا وجه غير مشرق من وجوه بعض "رجالنا"! القوات اللبنانية تعرف هذا الخطأ القاتل، وسعت الى تفاديه، فرأى العميان عكس ذلك! وقاسوا وجود ابن كسروان في شرق صيدا، وابن البترون في الجبل، وابن الأشرفية في قنات، بمقياس إذا ابتعد من الحقد، اقترب من قِصر النظر. آفَتا الحقد وقِصر النظر، حتى "بعضنا" يُصاب بهما أو بإحداهما. ليس كلّ ما يقوم به سمير جعجع منزّهاً عن الخطأ. ولكن هل القوات اللبنانية شخص أم قضيّة؟ قد يعتبر البعض أنّ هذا السؤال فيه جرعة زائدة من البراءة؟ وأنّ هذا الشخص لن يتزحزح عن القيادة. لم تأتِ ساعة الامتحان بعد، وإن اقتربت. المهمّ أن يأتي إلى القيادة غداً أشخاص عاديّون، وأن تكون بطولة سمير جعجع، أنّه ختم البطولة في القوات اللبنانية. فرنسا بعد ديغول لا تشكو شيئاً. عندما انتفض سمير جعجع في الثمانينات، انتفض من الداخل على الداخل. لم يخرج إلى شطر آخر من بيروت، ولم يذهب إلى دمشق. عندما تَفقد إعجابك بسمير جعجع تَذكَّر القضية لا الشخص. وإذا فقدت إعجابك بالقضية، فضع القضية والأشخاص في خزنة النسيان، وواصل الطريق. منظار القضيّة يشدّ النظر دائماً إلى تلك الجملة المفيدة "إذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا"، وإلّا فضحتم أنفسكم بأنفسكم. اليوم احتفال وخمر، وغداً… أمر.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل