#adsense

الفـــول والمكيـــول

حجم الخط

الفـــول والمكيـــول

راشد فايد

هل يمكن اللبنانيين أن يثقوا بتفاؤل المتفائلين وأن ينتظروا السبت المقبل موعدهم المرجأ مع العماد ميشال سليمان رئيساً، بعدما جرجرتهم وعود رئيس مجلس النواب منذ أيلول الفائت، وسحرتهم ابتسامات وزير الخارجية الفرنسي “النجم” برنار كوشنير، فحرم الاول جلسات الانتخاب شرعية النصاب بثمن باهظ هو تهديد البنية الدستورية للبلاد، ومنح الثاني دمشق إقرارا دوليا مجانيا بدور في لبنان تحلم باستعادته منذ 26 نيسان 2005؟


فبعد التأجيل الثامن السابق، ساد التشاؤم حتى الأيام الأخيرة، تحديدا حتى منتصف الأسبوع حين رفع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي نبرة تصريحاته بالقول إن الانتخاب في لبنان سيكون الاثنين وإلا…، وتبعه تصريح للرئيس الاميركي جورج بوش دعا فيه النظام السوري، وللمرة الاولى منذ عام 1976 تاريخ الدخول العسكري السوري الى لبنان،  الى إطلاق سجناء الرأي في معتقلاته. وأرفق الفرنسي التلويح العلني برسائل “ديبلوماسية ” أكثر حدة تنبّه الى موقف ستتخذه الدول المانحة المجتمعة في باريس لأجل الدولة الفلسطينية الموعودة. ولأن النظام في سوريا لم يتورع عن تأكيد دوره في تعقيد الوضع اللبناني وكونه “أقوى حاليا في لبنان مما كان قبل 2005 “، ولأن حلفاءه لا يخجلون من الصدوع لأوامره ولا يسعون حتى الى تمويهها (لم يعترض الجنرال على قول نائب الرئيس السوري فاروق الشرع إنه حليفه مثله مثل “أمل” و”حزب الله”)، أعطى الاول التوجيهات بالإيحاء بالحلحلة وأبدى “الحلفاء” ليونة شكلية في جلسة أمس… والسبت لناظره لقريب.


فما تريده دمشق أبعد بكثير من مقعد متفرج في أنابوليس، وأكبر من أن تقايضه بحلف استراتيجي لنظامها مع طهران. إنه الإعتراف بدور استراتيجي لها في المنطقة، أعلى من مجرد دولة رئيسية وأكبر من وكيل إقليمي. تريد إقرارا عمليا بأنها مفتاح التهدئة والتوتر في المنطقة، من العراق إلى غزة مرورا بلبنان، تتكئ في ذلك على “القاعدة” و”حماس” و”حزب الله”، وكل منها معه من معه من توابع وملاحق عارضة أو ثابتة، وفوق الجميع ايران الطامحة الى قيادة اسلامية تتقن المزايدة في القدس وتحرير فلسطين وفي تصوير الطموح النووي الذاتي حلما لكل مسلمي العالم. دمشق – المفتاح الاقليمي – لا تستعجل انتخاب الرئيس اللبناني لأنها أولا ليست من يدفع ثمن الاستقرار المهدد ولا تردي الوضع الاقتصادي اللبناني، ولأن الحوار مع فرنسا ليس أقصى طموحاتها، ثانيا، ولأن نظامها، ثالثا، يريد أن يروي الغليل من كبوة كبرى يحلم بها لثورة الأرز، ولأنه يعتقد، رابعا، أنه سلّف واشنطن في العراق الكثير وأن عليها الآن أن تقف على “خاطره” وأن تفتح الحوار معه، وعبره مع طهران، حليفته في أرض الرافدين وغزة ولبنان.


في الدرب الى “الحلم” تخوض دمشق إمتحان “تأهل” الى المرحلة المأمولة قررته لنفسها: مزيد من التأديب للمعارضة في الداخل (اعتقال فداء أكرم حوراني رئيسة “المجلس الوطني لاعلان دمشق”) ومزيد من التأزيم، عبر الحلفاء، في لبنان، وتجديد التهجم على المملكة العربية السعودية. والرسالة في المسالك الثلاثة واحدة: لا كبير في مواجهتنا (ولو كان الثمن التخلي عن استضافة القمة العربية)، وليس لواشنطن إلا الحوار معنا.


في لبنان، تضيع حقيقة موقف النظام السوري من التزامه تسهيل إجراء انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا بين تأجيل يعلنه المفوض السابق من المعارضة الرئيس نبيه بري، وتمسك المفوض الجديد الجنرال ميشال عون بأن “لا انتخابات رئاسية ولا تعديل للدستور إذا لم يخرج التفاهم من الرابية” أي من دون الاعتراف به زعيما أوحد للمسيحيين وحامل أختام الرئاسة والوصي عليها.


وفي دمشق، لا يكظم الاحرار حرقتهم على الحريات فيصدرون البيانات بكاء على إهدارها، ولا تبتعد ردود الفعل عن ذلك بعدما أعطى صدام حسين النموذج للانظمة الشقيقة (إذا افتقدت الخبرة) وهو ان أقصر طريق الى الاجماع الداخلي تصفية الخصوم، وان افضل دروب الديموقراطية تقوية مخابرات أمن الدولة، فتبدو الحريات، عند ذلك، ترفا لطبقة المثقفين لا حقا لكل المواطنين.


وفي المحيط العربي، لا تخرج المملكة العربية السعودية عن خط الديبلوماسية الرزينة في زمن الانحطاط والصفاقة، ولا تبعد عن التحفظ في أيام الصلف والمكابرة، فيشهد لبنان موازنة بين قوى الرابع عشر من آذار وقوى الثامن من آذار في تعامل ديبلوماسية قوى الاعتدال العربي معهما، في مقابل جزم نظام دمشق العلني والواضح بدعمه المعارضة وبسعيه الى إقصاء الغالبية وحتى انهائها.


وعلى “المعابر” الثلاثة استدراج سوري واحد وواضح لحوار مع واشنطن تود دمشق عبره القفز فوق الجميع الى موقع المفتاح الاقليمي، مراهنة على توتير هنا وتفجير هناك وصمت هنالك، وعلى تبديل في الادارة الاميركية في نهاية العام، إن لم يحدث إنقلابا في تفاصيل استراتيجية واشنطن الشرق الأوسطية، فإنه سيتيح فترة سماح يفرضها تبديل كبار الموظفين، تستغلها العاصمة السورية لتعزيز اوراق وتقوية مواقع.


لبنان أبرز هذه الاوراق والمواقع، وكلما ازداد حرص المجتمع العربي والدولي على إنجاح استعادته تجربته في الديموقراطية والاستقلال ازداد حرص الوصي السابق على استعادته تحت قبضته، في صيغة أو أخرى، وإن طال انتظار اللبنانيين العماد الرئيس. لذا تتوالى جلسات مجلس النواب ومعها بيانات التأجيل، وبعد الجلسة التاسعة والتأجيل الثامن، سينتظر اللبنانيون الجلسة العاشرة والتأجيل التاسع. والسذاجة وحدها ستجبرهم على أن يصدقوا أن السبب هو محض داخلي.

 

وحده زجر دولي جديد وحاسم لدمشق، في مستوى القرار 1559، يأتي من دول أساسية في مؤتمر باريس للدول المانحة الخاص بفلسطين أو من مجلس الأمن الدولي ببيان رئاسي، يلزم دمشق قطع الخيوط التي تحرك انقلاب حلفائها على الدستور ومنطق الديموقراطية. هذا الزجر الدولي، إذا كان حاسما، سيسمح للبنانيين بأن يشهدوا السبت المقبل نور الرئاسة وتخطي العقبة الصعبة في انتظار العقبات الأصعب، لكون دمشق تحسن الانحناء أمام العاصفة واستغلال تراخي الخصم لمحاولة تجديد الانقضاض. تجربة القرار 1559 شاهد حي على الانحناء وانتخابات الرئيس نموذج للانقضاض. وفي انتظار السبت ستظل انظار اللبنانيين تائهة بين الفول والمكيول.

المصدر:
النهار

خبر عاجل