طرابلس والشمال…وماذا بعد؟!
مبروك لطرابلس وللشمال «هجمة الدولة على الامن»، بعد طول غياب وصفه البعض بأنه مقصود، لا سيما ان ما عانت منه عاصمة الشمال من اواسط ايار الفائت الى الآن، قد دل بوضوح على ان هناك من هو اكبر من اجراءات السلطة المدنية والعسكرية والامنية، خصوصاً ان كل ما قيل عن تدابير ومساع ومصالحات ذهبت كلها ادراج الرياح، فيما بقي التسيب سيد الموقف؟!
في كلام الرئيس فؤاد السنيورة امس مؤشرات مطمئنة نسبياً، مثلها مثل ما جاء في كلام قائد الجيش العماد جان قهوجي الذي حدد لنفسه برنامج عموميات عبر مجموعة عناوين، فيما يبقى امام الرجلين ترجمة ما تحدثا عنه، على رغم الفارق بين ما هو سياسي وبين ما هو عسكري. وهيهات لو اقترن كلام رئيس مجلس الوزراء ومثله كلام قائد الجيش بتعهدات تأخذ في الاعتبار رفع السلطة التنفيذية الغطاء عن كل ما من شأنه التأثير على عمل السلطة العسكرية.
وهذه التعهدات تنطبق بالضرورة على كل كلمة وردت في «أمر اليوم» للعماد قهوجي الذي يصفه من يعرفه على حقيقته بأنه عسكري بإمتياز ولا مجال معه لأنصاف حلول ولمؤثرات سياسية، الامر الذي يعني ان الرجل في غير وارد لعب اوراق من تحت الطاولة عندما يكون السلم الاهلي في خطر وهكذا السلم الوطني، حيث لم يعد من الجائز تجربة الافكار بعد طول تهرؤ سياسي وتهرؤ امني؟!
ومن خلال تجربة طرابلس والشمال، لا بد وان يفهم المشروع الامني اللاحق، حيث من الضروري اعادة نظر شاملة بأوضاع مختلف المناطق، لا سيما ان الرصيد السياسي لم يعد يكفي وحده لتأمين الاستقرار فيما دلت تطورات امنية في العاصمة ومحيطها والجبل والبقاع على ان الامور سائرة الى الاسوأ، «لان تدابير الجيش والقوى الامنية لم تحقق الغاية المرجوة»، بذريعة «رفض اقحام الجيش والاجهزة الامنية في تباينات سياسية»!
والاسوأ من هذه الذريعة ومثيلاتها من المبررات غير المقنعة، ان هناك من يستخدمها لمصالح لا علاقة للوطن والمواطن بها، بعد تجارب ميدانية بلغت حدود الاجتياحات على مرأى ومسمع من الجيش كما وصلت الى حد محاصرة مسؤولين وسياسيين في مكاتبهم وفي مؤسسات الدولة وفي منازلهم، وهذه لو حصلت في ظروف مختلفة لما اقتصرت على تسجيل نقاط سياسية فقط!
اما الخطوة الثانية، بعد همروجة طرابلس والشمال، لا بد ان تأخذ في طريقها مناطق محددة في العاصمة بيروت ومحيطها، حيث لم تتوقف الشكوى من الانفلات الامني ومن تكرار «تحديات الشارع»، حتى وان كان ثمة تركيز في الوقت الحاضر على العملية الاولى، على امل ان تثبت جدواها وتصل ترجمتها الى حدود استعادة الامن وهيبة الدولة والسلم الاهلي (…)
وطالما ان الشيء بالشيء يذكر، من واجب الدولة عموماً والجيش والقوى الامنية خصوصاً سؤال اولئك الذين لم يتوقفوا عن القول ان «التسلح قائم وقاعد» في مختلف المناطق، اقله لمعرفة ما اذا كان هذا الموضوع على شيء من الواقعية، او ما اذا كان القصد منه التحضير لما هو اسوأ مما حصل ويحصل، حيث اصبح لكل طرف ما يستدعيه اعادة النظر في موقفه من السلاح (…)
وما يقال عن سلاح المقاومة الذي تخطى دوره وتجاوز فعل التصدي للإحتلال وللعدو الاسرائيلي ولأي عدوان محتمل» يقتضي قول غيره، عندما تصل المشكلة السياسية الى ما يجيز عمل كل شيء، بسلاح ومن دون سلاح. وهذه النظرية اصبحت واردة في معظم الحسابات السياسية، طالما ان الاستقواء بالسلاح اصبح غاية في حد ذاتها!
وعلى أمل ان يحقق الطرابلسيون والشماليون ما فيه مصلحتهم، تبقى الصورة الامنية بحاجة الى من يعرف كيف يتعاطى معها بأكثر من مشاريع واوامر على الورق. والمقصود هنا ان الجيش مطالب بأن يكون قوة حسم وليس قوة فصل بحسب ما ساد المرحلة السابقة، من دون ان يعني ذلك اقحامه في امور وتباينات سياسية، خصوصاً عندما تتعلق مهام الجيش والقوى الامنية بسمعة السلطة والدولة لا بسمعة الاشخاص ومصالحهم!
لذا، يقتضي التذكير مجدداً بعامل عسكري – امني اساسي لم يعد احد يعطيه مجالاً في مشاريع تثبيت الاستقرار ومواجهة الارهاب والفلتان، الا وهو عامل الاستخبارات الذي لعب دوراً فاعلاً ايام كانت الدولة دولة وقبل ان يلعب السياسيون وبعض المسؤولين ورقة الاستخبارات لغايات ومصالح شخصية اسقطت دورها الى حد الالغاء، حيث لم يعد المواطن يسمع بعمل مخابراتي بحجم كشف عمليات ومشاريع التعدي على السلم الاهلي وسلم الدولة؟!