كتب بيار عطاالله في صحيفة "النهار":
أن يكتب اللواء نديم لطيف بعضاً من ذكرياته السياسية ونتفاً مما جرى معه على صفحات التواصل الاجتماعي، ليس أمراً سهلاً عليه، فالرجل الآتي من جهاز الامن العام ليس من هواة البوح بالاسرار ولا الفضائح عبر الانترنت، وهو يحفظ جيداً الدرس الاول الذي يتعلمه ضابط الامن، اي الكتمان وحفظ الاسرار الى ما شاء الله، على طريقة لم أسمع شيئاً ولم أر شيئاً ولا أعرف شيئاً. اضف الى ذلك ان شخصية لطيف الصارمة جداً وطبعه العسكري الانضباطي يجعلان ما ينشره على الانترنت عن ذكرياته في "التيار الوطني الحر" بمثابة الاحكام القاطعة التي لا تقبل أي نقاش وتأويل، وكأنها كتبت بيد مؤرخ أصيل لا يقبل نصه اي تشكيك او رواية مناقضة.
ولمن لا يعرف لطيف، فهو سليل أسرة شوفية عريقة يرضى تاريخها الى مئات السنين، وجده لوالده كان ممن أحالهم الاتراك على الديوان العرفي في عاليه بوشاية العسس في الجبل بتهمة تحريض الشباب اللبناني على عدم الذهاب الى التجنيد الاجباري والقتال في منطقة الترعة (قناة السويس)، لأن الجيش العثماني يخسر المعركة هناك امام قوات الحلفاء المتقدمة. ولم ينقذه من الموت شنقاً سوى تدخل مشايخ الدروز في الشوف وشفاعتهم به لدى العثمانيين. اما والد نديم لطيف فهو الزعيم مسعود لطيف قائد قوات الدرك اللبناني وأحد أبرز العسكريين اللبنانيين من مساعدي الرئيس كميل شمعون خلال حقبة الخمسينات، والذي حرص على تدوين ذكرياته يومياً بمحصلة ما كان يجتمع لديه من اخبار ومعلومات من موقعه القيادي في الجمهورية. وتلك المذكرات ينكب نجله نديم على ترتيبها استعداداً لنشرها مع كل ما تحمله من فصول واحداث غير معروفة في تاريخ لبنان الحديث.
دمعة صامتة
ولكن ماذا عن مذكرات نديم لطيف الخاصة وما يتصل منها بالاحداث اللبنانية، ذلك أن ما نشره على صفحات التواصل الاجتماعي ليس سوى اسطر قليلة من مئات الصفحات التي تتحدث عن تجربته السياسية في "التيار الوطني الحر" قبل ان يصبح "التيار العوني". ولطيف هو مرجعية "التيار الوطني" في لبنان منذ رحيل عون من السفارة الفرنسية في 28 آب 1991. واليه كان يعود الشباب قبل كل تحرك وبعده، وكان يتولى التنسيق مع عون في منفاه الفرنسي والعكس صحيح، الى ان اعتقل في غمرة حوادث 7 آب 2001 حيث تعرض للاهانة والقمع على يد النظام الامني آنذاك، ولا تزال الدمعة الصامتة التي ذرفها عند سؤال الصحافيين له عما تعرض له، ترسم اكثر من علامة استفهام، خصوصاً ان عين نديم لطيف الجنرال اليوم تترقرقان بالدمع عندما يروي مسيرة الالاف من الشباب في "التيار الوطني الحر" متذكراً اسم هذا وذاك، وقائلاً: "والله هودي أطيب شباب قبضايات بس ما في مين يقدر هالشباب، يا ضيعان التعب". ويضيف: "اين اصبح فلان او فلان بعد كل ما تعرضوا له من تنكيل واضطهاد، هؤلاء الشباب يستحقون وطناً وليس مزرعة".
"الله يسامحهم"
يستحلف لطيف زواره قبل الكلام وبعده ألا ينشروا أي شيء مما يسمعونه، ويقول بصوته الهادئ: "أريد أن أعيش حياتي بهدوء ولا أريد الصدام مع احد، الناس ترى وتحكم وأنا لست دياناً ولا أطلب شيئاً لنفسي، والله يسامح كل من أخطأ معي". بهذا الكبر يريد لطيف ان يتعامل مع الآخرين، والمسالة على ما يبدو أخلاقية من الدرجة الاولى بالنسبة الى رجل نشأ في بيت عسكري وجبلي في الشوف على مبادئ "شرف، تضحية، وفاء" والكلمة الاخيرة هي أكثر ما في نفسه على ما يبدو لأن "قلة الوفا" هي الجامع المشترك بين غالبية السياسيين او من يتعاملون بالسياسة في هذه البلاد.
أعد لطيف نسخاً عدة من مذكراته المثيرة ووزعها على أشخاص كثر، كي لا تضيع او تطمس ويلفها النسيان في يوم من الايام، فهي تؤرخ لحركة نضالية امتدت 15 عاماً في مواجهة الاحتلال السوري وأدواته وكان له نصيب قيادتها من لبنان وعلى الارض وصولاً الى المعتقل. وهو يقول في ذلك بلهجة عسكرية: "انا اديت واجبي ولا اطلب منة من أحد، وما نشرته أزاح بلاطة عن صدري".