"كَيّ المدن".. بالأمن أولاً والكهرباء ثانياً
طرابلس "هانوي" الحركة الاستقلالية
يقترح وزير الطاقة والمياه الآن طابوريان على أبناء بيروت وطرابلس تنظيم "فتنة كهربائية" في ما بينهم. نظريته في ذلك أن حصّة واحدة من الكهرباء تذهب لأبناء المدينتين ولهم أن يتقاسموها بمعرفتهم ومن دون الإحتكام إلى الدولة ولا مطالبتها بتأمين حدّ الكفاية الكهربائية التي تليق بالعاصمة كعاصمة، وبعاصمة الشمال كعاصمة ثانية للبلاد.
فما دام يغلب لون مذهبي واحد على المدينتين، ليس لهما بعد ذلك إلا "تناهش" الحساب الكهربائي الجامع بينهما. وفقاً للمنطق الطابورياني تتناقض المصالح الحيوية لبيروت وطرابلس ما بين تشبّث أهالي الأولى بـ "امتيازاتهم الكهربائية" رغم الصاعقة الأمنية التي نزلت عليهم ليلة 7 أيار وبين احتجاج أهالي الثانية على "الضيم الكهربائي" المفروض على أحيائهم المحرومة والرازحة، للشهر الخامس على التوالي، تحت مرمى المدفعية وأحقاد القناصة.
والخلاصة بحسب المنطق الطابورياني أنه ليس لبيروت ولا لطرابلس أي حقوق كهربائية عند الدولة ما دام لون مذهبي واحد يغلب عليهما. إن كانت لبيروت حقوق كهربائية مهدّدة فيتوجّب حفظها من "طمع" الطرابلسيين. وإن كانت لطرابلس حقوق كهربائية منشودة فينبغي سلبها من سكّان بيروت.
"الطابوريانية" تكره المدن. لا تفهم أسباب طمع المدن بالكهرباء. لا تفهم أن القانون الكوني للتنمية يقول: أنه يمكن تنمية المدن من دون تنمية الضواحي والأرياف لكن لا يمكن تنمية الضواحي والأرياف قبل تنمية المدن.
إلا أن "الطابوريانية" كدعوة لحلّ أبناء بيروت مشكلتهم الكهربائية مع أبناء طرابلس والعكس بالعكس، مع تخلية مسؤولية الوزير والوزارة والدولة، إنما تمثّل مقلباً جانباً من النزعة الكارهة للمدن التي رفعت أخيراً شعار "كسر إحتكار العاصمة" وهو آخر تقليعة في "علوم تشخيص غزوة 7 أيار" من قبل القائمين بها أو المتواطئين فيها. فبعد أن قيل أن السلاح استخدم في الداخل لـ"غسل عار بيروت" وبعد أن قيل أنه استخدم لـ"إعادة الوجه العربي" إليها (العروبة بطبعة خامنئي ونجاد ولاريجاني)، وبعد أن صعبت المواءمة بين أطروحة "السلاح لحماية السلاح" وإصرار الإعلام الحربي في الوقت نفسه على أن "العصيان مدني وسلمي وحضاري" بل وعلى الطريقة الغاندية (كما لو أن وسائل إعلام "المستقبل" توقفت صبيحة 8 أيار من فرط ممارسة أنصار "المعارضة" لتمارين اليوغا والتأمل التجاوزي). وهناك من قال أنها كانت "عملية تجميل" أو "عملية موضعية" أو "عملية عودة القطار إلى سكّته". ثم حلّت نظرية "الدفاع عن النفس" و"الدفاع عن النصر النهائي الموعود ضد اسرائيل".
بعد كل هذه التقليعات يأتي الحديث عن "كسر إحتكار العاصمة" لأجل صوغ صلة وصل إنتقائية يبدأ معها تاريخ بيروت في 6 شباط 1984 ويقفز بعدها إلى 6 شباط 2006 ويتوّج بليلة 7 أيار 2008، هكذا تستحيل دعوات التصدي لمؤامرة "كيّ وعي الأمة" على ما يردّد السيد حسن نصر الله "كيّاً لوعي المدن الساحلية".
ما حصل لبيروت وما يتهدّد طرابلس هو جزء من عملية "كيّ المدن". وهذه عملية تعرفها دمشق وحلب وحمص وحماة والقامشلي جيداً. وفي هذا الإطار تتخذ عملية "كي وعي" مدينة طرابلس خصوصيتها. ليس فقط نظراً لحساسية عاصمة الشمال اللبناني بالنسبة إلى التوازنات التي تحكم سوريا، بل أيضاً لأن ما يمارس من تحريض ضد طرابلس والطرابلسيين يستخدم موشحات "الإسلاموفوبيا" عينها التي لا يكف "حزب الله" في مجالات أخرى عن التنديد بها.
فحيال طرابلس تساق كل حجج "الإسلاموفوبيا". يجري تصوير التيارات الأصولية والسلفية على أنها من أكلة لحوم البشر، وأن أهل بعل محسن صومعة نصف علمانية نصف صوفية، أو محجّة للرهبان البوذييين. وتجري العودة للموضوعة التقليدية "الفقر يولّد الإرهاب" إنما لحث "فقراء" طرابلس لإعلان الإنشقاق عن "أغنياء" بيروت. من جهة يجري التحذير من خطر "إمارة سلفية" ومن جهة أخرى يجري تحريض الشمال على "الإنفصال" عن لبنان وتشظّيه إلى إمارات لا يوحدها إلا "قوة إستطلاعية سورية".
فالتدخل السوري في طرابلس وعكّار أخذ يسوّق لنفسه في الآونة الأخيرة تحت حجج ثلاث: الدفاع عن الأقليات، الحرب على الإرهاب الدولي، الدخول لفرض توازن مع "حزب الله". وبشأن الحجة الأخيرة التي تقدّمها سوريا فهي تقول أنه في 7 أيار سيطر "حزب الله" على بيروت وما عادت القوى المناوئة لسوريا بقادرة على لجمه، بحيث لم يعد أحد باستثناء سوريا قادراً على لجم "حزب الله" مستفيدة من ظروف "التحالف" معه ومع ذويه في الجمهورية الإسلامية، ومن خلال الدخول إلى المشهد الشمالي.
بيد أن كل حجّة من هذه كافية لتبديد الأخرى.
التدخل السوري "يرشح نفسه". عواصم القرار في العالم، بما فيها موسكو لن تأخذ بترشيحه. لا داعي للتهويل أكثر مما يلزم في هذا المجال. بيد أن هذا التدخّل يستفيد من مجرّد "ترشيح نفسه" في الظروف الحالية. مثل هذا الترشيح يؤمن له ضرباً للإستقرار اللبناني في طرابلس والشمال.
ليس مشروع التدخّل السوري في شمال لبنان من النوع الذي يمكنه أن يستفيد من "ذريعة" بعينها فيدخل على الخط. مهما كانت الذرائع فالضوء الأخضر لن يعطى له لخرق ترسانة من القرارات الدولية التي تبدأ بالـ 1559 وتمرّ بالـ 1680 الذي ينص على تلازم العلاقات الديبلوماسية وترسيم الحدود (فالعلاقات أوجبها قرار دولي في أيار 2006، للتذكير فقط)، فضلاً عن القرارات التي تخص المحكمة الدولية والقرار 1701 في شقه المتعلّق بمنع تهريب الأسلحة.
ودور أبناء طرابلس يتجاوز مسألة إعطاء أو عدم إعطاء "ذريعة" لسوريا للتدخّل في الشمال، مثلما يتجاوز مسألة ردّ الإعتبار بعد بيروت. إنه دور في منتهى الوضوح: منع تكرار ما حدث لبيروت في طرابلس. وبشيء من المبالغة يمكن القول أن طرابلس، ومهما كان الجرح النازف في أحيائها الفقيرة، فإنها أمست بعد غزوة بيروت في 7 أيار، بمثابة "هانوي" الحركة الإستقلالية اللبنانية، وكل الحراك الحكومي أو الأكثري من وإلى طرابلس ينبغي أن يكرّس ذلك. لا ينتقم من طرابلس لبيروت، إنما يبدأ تحرير بيروت من المضي قدماً في معركة إبعاد الخطر عن طرابلس، وبتكريس مكتسبات اليوم الطرابلسي الطويل في السراي لصياغة برنامج طرابلسي يزيد من فاعلية الفريق الإستقلالي في المدينة، وينمي قدرة الإستقلاليين على استيعاب المناطق المحرومة والجماعات الأصولية والسلفية، ويؤمن مساحة تتقدم باتجاه المصالحات، ويفسح في المجال أكثر فأكثر للتنمية الحقيقية.. وفي مقدمها نيل طرابلس حصتها من الكهرباء التي تليق بها كعاصمة ثانية.