
في الظاهر، فجرت مسالة تصحيح رواتب المتقاعدين العسكريين آخر جلسات الموازنة التي كانت مخصصة لرد الحكومة على كلمات 65 نائباً يشكلون نصف أعضاء المجلس طوال الأيام الثلاثة الأخيرة، فبدا الأمر كأن أكثرية النواب “احتشدت” مساء أول من أمس للتضامن مع مطالب المتقاعدين العسكريين إلى حدود التشكيك باتفاق كان عقد مساء أول من أمس بين ممثلي المتقاعدين ورئيس الحكومة نواف سلام بمنحهم زيادات تدريجية توازي أربعة رواتب من آخر شباط.
عند حدود التشكيك هذا اشتعل المتقاعدون واقتحموا ساحة النجمة وبلغوا مدخل المجلس، الأمر الذي استلزم حشد قوة من الجيش لمنع اقتحام المجلس واعتبروا أن رئيس الحكومة أخلّ بالاتفاق ولم يعلن في كلمة له من المجلس التزامه ما جرى، على رغم أن سلام كان كرّر رداً على النواب أن الاتفاق قد حصل. أما المضمون الأبعد، فبرز بوضوح عبر مزايدات نيابية على خلفية الإعلان الحكومي عن موعد حاسم للانتخابات النيابية في الثالث من أيار المقبل، وهو الأمر الذي لا يمكن تجاهله في مجريات “تحريض” العديد من النواب للمتقاعدين العسكريين في خطب ومداخلات غلبت عليها الشعبوية.
ومع أن المشهد الداخلي ظلّ محصوراً بمناقشات الموازنة، فإن التطور الأبرز الذي اخترق الجلسات تمثل في إعلان الحكومة التزامها إجراء الانتخابات النيابية في الثالث من أيار المقبل، أي ضمن المهلة الدستورية، واضعة حداً حاسماً لكل ما اثير ويثار حول إرجاء تقني أو غير تقني للانتخابات.
حصل ذلك عبر إعلان وزير الداخلية أحمد الحجار أنه وقّع صباح أمس مرسوم دعوة الهيئات الناخبة في 3 أيار على أن يصدر في الجريدة الرسمية خلال اليومين المقبلين، وبعدها سيفتح باب تقديم الترشيحات وفق القانون النافذ. وبذلك تكون الحكومة قد تركت أي احتمال للتلاعب بالمهلة الدستورية للانتخابات في مرمى مجلس النواب الذي يعود إليه إصدار قانون بتعديل بنود في القانون النافذ للانتخابات في ظل الالتباس الذي سينشأ حكماً عن عجز الحكومة عن تنفيذ البند المتصل بتصويت المغتربين في ست قارات وزيادة عدد أعضاء المجلس المنتخب المقبل ستة أعضاء.
ويبدو واضحاً، وفق معلومات “النهار”، أن التزام الحكومة إجراء الانتخابات في موعدها نابع من قرار كبير داخلي يجمع عليه الرؤساء الثلاثة جوزيف عون ونبيه بري ونواف سلام، إن استناداً إلى تقويم داخلي مشترك وإن بناءً على معطيات دولية لا تتسامح مع أي خلل في إرجاء الانتخابات وتعريض هذا الاستحقاق لما يهز الثقة الداخلية والخارجية بلبنان، فيما هو في أشدّ الحاجة إلى تحصين هذه الثقة في ظل زحمة الاستحقاقات الكبيرة التي يواجهها لبنان . ولذا يبدو من الصعوبة تمرير أي احتمال لتمديد يتجاوز الأسابيع القليلة شرط أن يتوافر له شبه اجماع نيابي.