#dfp #adsense

النهضة المشرقية والعربية من مدرسة روما إلى مجمع اللويزة.. موارنة السيف والقلم

حجم الخط

مار مارون

“لو كان الموارنة مجرد طائفة أو مذهب فحسب، لما كان لبنان ولما استمر الوجود المسيحي الحر في المشرق”، إنها قناعة لدى مفكرين ومؤرخين، مسيحيين من غير الموارنة، شرقيين وغربيين، وبعضهم من المسلمين. على أن الموارنة لا يدّعون الفخار ولا يحبون التباهي بهذه الحقيقة، لأنهم يعتبرون أن إيمانهم وحريتهم وعنفوانهم وصمودهم هي أقرب إلى الميزات الجينية، ولو أنها واقعيا ميزات متوارثة “يرضعونها مع الحليب” أقله بالنسبة للأجيال السالفة.

لعل المارونية السياسية التي تحولت فترة طويلة إلى تهمة أو لوثة، تُجسّد البعد السياسي للحالة المارونية الفريدة كبوتقة للحرية التي لا تلغي التنوع، طالما أن الحرية لها الموقع الأول وتتقدم على سائر الاعتبارات. ولذلك كانت المارونية السياسية، وعلى رغم بعض سلبياتها، حالة سياسية متقدمة تضم من المسلمين ومن غير الموارنة، على الأقل بقدر ما كانت تضم من الموارنة.

ولا بد من العودة إلى الجذور لفهم بعض جوانب الشخصية المارونية التي يعتبرها البعض ملتبسة ومعقدة بينما يعتبرها البعض الآخر بسيطة ولا تقبل التأويل. لقد اختار مار مارون النسك والعزلة والفقر والتقشف والعراء، وهو المولود على الأرجح في النصف الأول من القرن الرابع، أو ربما في منتصفه أي قبيل العام 350 أو بعيده، علما أنه توفي في العام 410، أي في الفترة التي سبقت بقرون الانقسام الكبير بين الكنيستين الرومانية والبيزنطية او بين الكثلكة والأرثوذكسية، وشهدت في الوقت عينه بعض الخلافات والانقسامات اللاهوتية.

لكن مارون في عزلته ونسكه، لم ينقطع عن الناس، ولم يطلبهم إليه، بل كانوا من تلقاء أنفسهم يقصدونه في قمة الجبل ليصلوا معه أو يتعلموا منه أو يحظوا ببركته. لقد مارس مار مارون أشد أنواع التقشف وقسى على نفسه كثيرًا، وعاش معظم فترة نسكه في العراء، وكان قليلًا ما يلجأ إلى خيمة مجاورة، فكرّس ذاته لعبادة الرب إماتاتٍ وصوما وصلوات طويلة وسجودا وركوعا، حتى ذاع صيته في قورش ومحيط أنطاكيا وبات مثالا للعديد من الرهبان والنساك.

وهذه المحطة الموجزة من حياة مار مارون ليست للذكرى أو اختصارًا تاريخيًا، لأن ما قيل عن مارون وفضائله يملأ ربما آلاف الصفحات، ولو أن ما بقي عن حياته قليل نسبيًا. ولذلك إن هذا الاستذكار السريع هو للتأكيد أن الموارنة يشبهون في شخصيتهم الى حد بعيد أباهم ومؤسس كنيستهم. بل إن لبنان الذي اختاروه موطنهم كان يشبه فترات طويلة حياة قديسهم: جبال وعرة وشظف عيش وإيمان راسخ، وتمسك بالحرية، وفي الوقت عينه حرص على الانفتاح عندما تتوقف محاولات الهيمنة والقمع. فقد تعايش الموارنة على مدى قرون طويلة مع مختلف الطوائف الأخرى ولاسيما مع الشيعة والدروز، كما مع السنّة الذين كانوا يتمثلون بالقوة الحاكمة منذ أيام الخلافة ومرورا بالمماليك وصولا إلى العثمانيين. لكن الموارنة في الوقت عينه لم يتخلوا عن كونهم شعبًا متمايزًا يرقى إلى مستوى الأمّة، وهي العبارة التي أوردها العديد من المؤرخين ورجال الكنيسة، للدلالة على الموارنة، استنادًا إلى أن الهوية المارونية تمحورت دائمًا على البعد الروحي، وأن الموارنة كانوا دائمًا يسكنون ويتجمعون حول كنائسهم وأديارهم وأساقفتهم وكهنتهم ورهبانهم، ويرون في بطريركهم القائد الروحي الذي يمكن أن يتحول في لحظات دقيقة أو مصيرية قائدًا زمنيًا يخوض المواجهة على أكثر من صعيد.

لقد عُرف الموارنة طويلًا ببأسهم في القتال وبقدرتهم النادرة على الصمود ومقاومة عوامل الطبيعة القاسية وعلى المجالدة على “القلة” والفقر، لأنهم يعتمدون على إيمانهم وعلى تسليم مصيرهم للرب المخلص متشفعين بالسيدة العذراء التي وجدوا فيه الأم الرؤوم والوسيط الأمين لدى الإبن الإلهي. وهذه الصفات توازيها صفات أخرى تشكل علامات مضيئة في تاريخهم ومساهمتهم الحضارية ثقافة ونهضة وتواصلا بين الشرق والغرب.

إن تعلق الموارنة بالكرسي الرسولي في روما شكل ميزة مهمة، لاسيما وأنهم لم يتخلوا مع ذلك عن هويتهم المشرقية وعن طقسهم الشرقي ولغتهم الطقسية السريانية وسوى ذلك من العادات والتقاليد والمفاهيم. كما أنهم في العصر الصليبي، وعلى الرغم من مساعدتهم الصليبيين أحيانًا، فإنهم حافظوا على خصوصيتهم واختلفوا معهم في بعض المسائل وصولًا إلى حد المواجهة، وعرفوا كيف يوازنون بين تمايزهم وبين ولائهم غير الأعمى للحبر الأعظم.

وقد شكلت مدرسة روما المارونية منذ تأسيسها على يد البابا غريغوار الثالث عشر بالتوافق مع البطريرك ميخائيل الرزي في العام 1584 فرصة استثنائية لتعزيز الدور الماروني سواء في قلب الكنيسة الكاثوليكية وما كانت تمثله من نفوذ سياسي ومعنوي كبير، أو على صعيد المعطيات العلمية والثقافية، لاسيما من خلال خريجيها الذين ساهموا في صقل بذور النهضة المشرقية وفي تعريف الملوك والحكام الأوروبيين على أهمية الوجود الماروني والمسيحي في جبل لبنان والمشرق وعلى ضرورة التفاعل مع المحيط الغالب وفهم دقائق الأمور والمعادلة المشرقية الصعبة، حتى قيل: “علامة كماروني”.

وليس غريبًا بالتالي أن يكون الموارنة قادة النهضة المشرقية والعربية، إذ حافظوا على لغة الضاد وصانوها وعملوا على تعليمها، كما أن الكنيسة المارونية، وبدفع من البطريرك يوسف ضرغام الخازن، هي التي أطلقت البذور الأولى للنهضة من خلال المجمع الماروني الذي انعقد في دير سيدة اللويزة في العام 1736 برئاسة الخازن ومشاركة الموفد البابوي والعلامة الماروني الشهير يوسف السمعاني وهو من خريجي مدرسة روما المارونية. وقد اتخذ هذا المجمع القرار التاريخي بفرض التعليم الإلزامي على الكنيسة للأطفال إناثًا وذكورًا، فضلا عن إقرار مبدأ المدرسة في كل قرية سواء في الكنيسة أو “تحت السنديانة”، مع التكفل بمجانية التعليم للفقراء.

وهذا المجمع الاستثنائي بقراراته هو الذي فتح المشرق على النهضة الكبرى وأدرج المواد العلمية إلى جانب المواد الروحية واللاهوتية وعزز الطباعة التي كانت مطبعة دير مار أنطونيوس قزحيا السباقة فيها على الصعيد المشرقي، لدرجة أن إلزامية التعليم ومجانيته مثلت خطوة رائدة سبقت مثيلاتها في أوروبا بزمن طويل.

الموارنة اليوم، بمن قدموه من رجال فكر وعلم وأدب وفن، ومن عطاءات ومبادرات وأفكار، هم ورثة هذا التراث الغني والفريد، وكل من يتهمهم بالتعصب أو بالتحجر أو بالتطرف، يكون مخطئا بل في موقع التجني، لأن الموارنة لم  يتقوقعوا يومًا إلا قسرًا وموقتًا عندما كانوا يتعرضون للغزو والحملات العسكرية والظلم والتنكيل، لكنهم عرفوا دائمًا كيف يعوّضون بالانفتاح المدروس والتفاعل الحضاري، مع شرط دائم وثابت هو الالتقاء مع الآخر على مبدأ الحرية واحترام التنوع، وهذا جوهر لبنان المعاصر، حيث يستحيل على الموارنة والمسيحيين بعامة أن يستمروا في وطن لا يشبه إيمانهم بالحرية والتعددية، وهو ما ينبغي أن تصونه تركيبة متطورة تحافظ على الكيان اللبناني كوطن ودولة، وتكرس تمايزه من خلال تكريس حقوق مكوناته الحضارية والثقافية تحت سقف الحرية والصيغة الضامنة.

أنطوان مراد ـ مستشار رئيس حزب “القوات اللبنانية” لشؤون الرئاسة

إقرأ أيضًا

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل