
تتجه أنظار العالم صبيحة اليوم الجمعة إلى العاصمة العُمانية مسقط، حيث ينطلق ماراثون التفاوض النووي بين واشنطن وطهران في أجواء هي الأقرب لـ”حافة الهاوية” منذ عقود. وبينما يجلس المفاوضون على الطاولة، تبدو الأجواء محاصرة بضجيج المحركات وجاهزية الزناد؛ إذ يضع البيت الأبيض وتل أبيب هذه الجولة في “مرمى” أحدث المقاتلات الاستراتيجية على الإطلاق، الـF-35، في رسالة مفادها أن دبلوماسية اليوم هي الفرصة الأخيرة قبل أن يفسح المجال لغبار الانفجار الذي قد يغير وجه المنطقة.
وفق خبراء استراتيجيين، التحركات التي سُجّلت عشية مفاوضات مسقط، تحمل دلالات وإشارات تُمكّن من قراءة المشهد المرافق للمفاوضات بصورة أوضح، بل إلى ما أبعد بدرجة كبيرة: إيران أظهرت عشية المفاوضات مخالبها في البحر ولوّحت بالصواريخ تحت الأرض. ففي حركة استباقية تحمل رسالة تحدٍ صارخة لـ”الهيبة الأميركية”، فرضت القوات البحرية الإيرانية سيطرتها باحتجاز سفينتين و15 أجنبياً في الخليج، على الرغم من كثافة الأساطيل الأميركية المتربصة. هذه “البلطجة الاستراتيجية” تهدف لإبلاغ العالم بأن الخليج “حديقة خلفية” لإيران، تزامناً مع جولة تفقدية لرئيس الأركان الإيراني لـ”مدن صواريخ” مخبأة تحت الأرض؛ في رسالة ردع مزدوجة: طهران “حمامة سلام” في مسقط، لكنها “ذئب منفرد” في مضيق هرمز.
يشير الخبراء، عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، إلى أن الحدث الأخطر أمس الخميس، كان تقديم اجتماع “كابينيت الحرب” الإسرائيلي بشكل مفاجئ بعدما كان مقرراً الأحد المقبل؛ وهو إجراء لا يُتخذ إلا في حالة وجود “نافذة عملياتية” عاجلة، لافتين إلى أن التسريبات تتحدث عن “شحن بطاريات الضربة الإسرائيلية التي ستترك آثارها لعقود”، بينما يعكس استنفار وحدات حماية الشخصيات والضباط خشيةً إسرائيلية من رد انتقامي إيراني فوري على “عملية كبرى” قد تنفذها إسرائيل في أي لحظة؛ لنسف “فخ مسقط” بالكامل وإجبار واشنطن على خيار الحرب بدلاً من التفاوض.
يرى الخبراء أنه بالإضافة إلى ذلك، الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعتمد “استراتيجية المفاوضات تحت فوهات الـF-35” ويمارس “الخديعة الكبرى”، ويقول: “الإيرانيون يفاوضون اليوم لأنهم يخشون الضربة العسكرية”. هو يمد يداً لمصافحة الإيرانيين في مسقط ويهدد بتدمير البرنامج النووي باليد الأخرى، معتبرين أن الحشود الأميركية التي تتدفق إلى المنطقة ليست للردع فحسب، بل للهجوم؛ حيث كشف “الجسر الجوي” عن وصول 52 طائرة شحن تحمل منظومات THAAD وPatriot إلى قاعدة “موفق السلطي” وحدها في الأردن، وتسليح مقاتلات F-35A القادمة من بورتوريكو بصواريخ اختراق التحصينات، مدعومة بطائرات القيادة والسيطرة وتنسيق البيانات التي استكملت تموضعها.
إن المشهد الحالي يشير، بحسب الخبراء، إلى مسارين متناقضين: مسار “دبلوماسي” يبدو كغطاء زمني لشراء الوقت، ومسار “عسكري حقيقي” تكتمل أركانه في غرف التنسيق بين الجنرالات الإسرائيليين والأميركيين. نحن أمام ساعات الحقيقة: فإما أن تخضع طهران لشروط ترامب القاسية تحت وطأة “الرهاب العسكري”، وإما أن يُفتح الجحيم ربما قبل أن يستقر المفاوضون على مقاعدهم في مسقط أو في مدى قريب لاحق.
التفاوض حلال و”انتصار” لإيران.. حرام و”خيانة” للبنان!
على وقع مفاوضات مسقط، وبغض النظر عن نتائجها، يُطرح السؤال عن موقف “الحزب” في لبنان ممّا يحصل. فبعدما أطلق “الحزب” حملة شعواء ضد رئيسي الجمهورية جوزيف عون والحكومة نواف سلام بسبب إقدامهما على التفاوض مع إسرائيل، بموافقة الرئيس نبيه بري، من أجل التوصل إلى اتفاق يزيل الاحتلال ويستعيد الحقوق اللبنانية ويوقف الاعتداءات، ورفض التفاوض السلمي إلى حدِّ تخوين واتهام الرئيسين عون وسلام بالاستسلام لأميركا وإسرائيل، كيف سيبرر “الحزب” غداً لجوء إيران إلى التفاوض حين استشعرت اقتراب “شبح الحرب” المدمرة والخطر الجدي على النظام؟.
انطلقت المفاوضات بين واشنطن وطهران، بمباركة المرشد الأعلى، وتُصوَّر من قبل محور الممانعة بأنها “انتصار”، وأن ترامب تراجع ورضخ للمفاوضات؛ إذ حين يكون بقاء النظام الإيراني ومصلحته على بساط البحث، لا يُعد التفاوض مع “الإمبريالية” و”الشيطان الأكبر” و”عدو الإنسانية” تنازلاً، بل انتصار حلال حلال حلال. فهل سيتراجع “الحزب”، ويعتذر، عن تخوين عون وسلام ومهاجمة السفير كرم، ويبدأ بالتنظير في “محاسن” التفاوض مع إسرائيل إن كان يخدم المصلحة اللبنانية؟، أم أن ما هو حلال وانتصار لإيران هو حرام وهزيمة للبنان وتنازل واستسلام للضغوط الأميركية والإسرائيلية؟.
حلال لإيران أن تنتقل من رفض التفاوض مع الأميركيين ـ “الشيطان الأكبر” بالمناسبةـ، إلى رفض “التفاوض المباشر” قبل فترة، إلى التفاوض المباشر وجهاً لوجه اليوم، بهدف الحفاظ على مصالحها ونظامها. أما في لبنان، فلا للتفاوض مع إسرائيل ولا للسلام معها حتى لو تحققت كل المصالح السيادية الوطنية اللبنانية. التفاوض والسلام والازدهار والاستقرار لإيران، وللبنان الحروب والخراب والدمار والفوضى لتُستخدم ورقة بيد إيران لتحقيق مصالحها على موائد المفاوضات!.
في كل الأحوال، على “الحزب” أن يفهم أن لا أفق لسلاحه ومشروعه وأنه انتهى، أياً كانت نتائج المفاوضات الإيرانية الأميركية؛ التي قد تُسرّع أو تؤخّر بعض الشيء النهاية لكنها لا تُلغيها، وأن الدولة لن تتراجع وهي المسؤولة عن حماية لبنان واللبنانيين من أي عدوان، وبالطريقة التي تقررها في إطار المؤسسات الدستورية الشرعية، تفاوضاً، سلماً، أو حرباً، وأن لا شأن له وليس من اختصاصه ادعاء الدفاع عن لبنان تحت أي مسمَّى أو ذريعة.
اقرأ أيضاً:
خاص ـ إيران و”الحزب” وازدواجية المعايير: بين “يورانيوم المهدي” و”سلاح المهدي”! (أمين القصيفي)
