.jpg)
بعد كارثة انهيار الأبنية المتصدّعة فوق رؤوس سكانها، تعود انتفاضة طرابلس، المدينة الأكثر فقراً في لبنان، مجبولة اليوم بالغضب والتعيير والتهديد. أهل التبانة لطالما سندوا سقوف بيوتهم بالدعاء، بينما ظل السند بالإسمنت وعدًا مؤجلاً. ومع كل ارتجاج في الأرض، كان الانهيار يأتي بلا إنذار، في ظل إمكانيات إنقاذ عاجزة عن تلبية الحاجة المتزايدة للمعدات. هل سمعتم صدى تأوّهات العالقين تحت الركام الذي يحفر في وجدان الرأي العام مثل جرح لا يشفى؟ هؤلاء ليسوا أرقامًا في نشرات الأخبار، بل وجوه تعرفها الأزقة، أسماء تحفظها الدكاكين الصغيرة، وحكايات انطفأت لأن السكن البديل ظل حلماً مؤجلاً، والإهمال أثقل كاهل الفقراء.
تحضرني هنا كلمات قلق على لسان ربة منزل من طرابلس، تفترض فيها وجود نظرية المؤامرة من نسج الطبقة الفاعلة والمستترة. تسرد لي السيدة شكها في افتعال غير مباشر وفي هذا التوقيت، لتسريع انهيار البيوت المتصدعة الواحد تلو الآخر، مثل حجارة الدومينو، وكأنها جزء من مخطط مدروس للتخلص من هذه المنازل وتحويلها إلى أنقاض لأسباب قد تظهر لاحقاً. هذه الكلمات تعبّر عن شعور المدينة بأكملها: الخوف من الانهيار لم يعد مجرد حادث طبيعي، بل أصبح شكاً مستمراً يلازم سكانها في كل لحظة، وهم يتنقلون بين الخبّاز، المسجد، البقالة، والأزقة التي عاشوا فيها طفولة مضطهدة بالحرمان. انهم ناس يتضرعون الى الرب أن تصمد السقوف يوماً آخر.
طرابلس المهمّشة لم تكن يوماً مدينة هامشية، بل رأس الحربة في ثورة تشرين 2019. أهلها كانوا أوّل من أطلق صرخة الكرامة ضد الفساد والفقر المدقع. لكن العدالة لم تصل يوماً إلى بيوتهم، والأبنية المتصدّعة بقيت شاهدة صامتة على الإهمال المزمن. ومع كل سؤال: “أيّ بناء هو التالي؟ ومن هم الضحايا المحتملون؟” ترفض طرابلس أن تصمت أو تندب، فالحياة تستمرّ فيها بحذر وترقّب، على الرغم من الرعب المتوارث من الانهيارات المتسارعة، وصرخات السكان الذين يعرفون أنّ كل لحظة تأخير في الإصلاح قد تكلف الأرواح.
اليوم، المدينة تنتظر أكثر من مجرد صمود، وأكثر من تعاطف ودعاء. تنتظر خطوات عملية تحوّل خوفها إلى أمان عبر جمع تمويل عاجل لترميم المنازل الأكثر هشاشة، توفير السكن البديل لمن أخلوا بيوتهم الآيلة الى الانهيار، تطبيق قوانين صارمة تمنع البناء العشوائي وتعاقب الإهمال، ومتابعة دقيقة لضمان عدم تكرار مأساة الانهيارات. عندها فقط، ستتحول طرابلس من شهادة ألم وصمود إلى رمز للعدالة الاجتماعية، حيث تُرفع الصور الجميلة للبيوت المرمّمة بدل صور الأثرياء المتقاعسين، ويصبح الأمل ملموساً في كل زاوية من أزقتها، ويتنفس سكانها أخيراً بلا خوف، على أرض لا تتحرك تحت أقدامهم وتهدد حياتهم كل صباح.