#adsense

“حكيم المسيحيين”…

حجم الخط

معه حق سمير جعجع. ما حصل بالأمس في معراب أكثر من رسالة عابرة.. إنّه محاولة اغتيال فاشلة. وخطورتها تكمن في افتراض أصحابها مجدداً، انّ الإرهاب العاري يمكن أن ينتج سياسة خلاصية لهم تقيهم بئس المصير.

.. رجل متعب سمير جعجع. دأبه مُحيّر. وقدراته التنظيمية مثيرة للقلق، وسعة أفقه مفاجئة.. دقّته السياسية مُربكة، وقراءاته التكتيكية والاستراتيجية تجعله بعيداً عن مطبّات يتمنونها له كل يوم وكل ساعة.. أحكامه الجدلية اليومية و"التفصيلية" مُحكمة البيان والسبك. وحجّته أرفع من أن تُجادَل، فيتم الردّ عليها بالشتم والتطاول. ثم الأخطر من ذلك كله: تحليله للواقع العربي فيه من الصدقية الحسابية الشيء الكثير، ومن الهدوء ما يثير النرفزة والغضب وسرعة الاشتعال.

لو أنه يحكي كما يحكون ويتصرف كما يتصرفون.. ولو انّه اصطفّ كما اصطفّ غيره، ميشال عون مثلاً، لكانت مشكلته نسبية و"بين الأهل"، ولأمكن في كل لحظة إيجاد نوع من تقسيم المغانم والأدوار بينه وبين غيره من مقاومي ومناتعي آخر زمن، لكن "مشكلته" كبيرة وكبيرة جداً: بيانه السياسي توحيدي وليس تفتيتاً. ومقاربته عامة شاملة وليست فردية وخاصة، وخطابه اعتدالي يتماهى مع أمثاله من أهل الاعتدال، وليس متطرفاً يجد في التطرّف المقابل حجّة وجود وتبرير انفعال مفتعل.. مراجعته الشجاعة للماضي لم تكن تبريراً للانقلاب المخجل على ذلك الماضي، بقدر ما كانت تمهيداً محترماً ولائقاً للدخول في الحاضر والتحضير الواعي والمنفتح للمستقبل.. التزامه خطاب الدولة الواعدة القادرة المقتدرة، نعى مشاريع الدويلة وأشباهها، وترفّعه عن الابتذال الانتهازي جعل صوته يدوي في الربيع العربي بلغة العقل وليس الغريزة: المسيحيون العرب هم أول العرب وليسوا آخر العجم. أول أحرارهم وأكثرهم تميّزاً وحرية، وليسوا "ورقة" إضافية في خدمة الطغيان وأنظمته، كما ليسوا حرفاً زائداً في مسودة مشروع امبراطوري يرى في كل أقلية متراساً للوقاية والحماية ومطيّة للركوب وفرقة اضافية تضاف الى فرق التلوين والتزويق لتغطية خرائب العمل المذهبي الاحادي الفئوي المسبوك وفق "رؤية" تعود بالزمن إلى بداياته ولا تبشّر إلاّ بالكوارث.

متعب "حكيم المسيحيين". يتمدّد بدل أن يتقلّص، ويتقدم بدل أن يتراجع، ويزداد تألقاً بدل أن يضمر ويتلاشى.. ولا يزال يعرف تماماً خريطة الطريق: لبنان صنو الحرية ودرّة الشرق العربي، والمسيحيون فيه أسياد وليسوا أتباعاً وأحرار وليسوا عبيداً. بانفتاحهم طوَّعوا الجغرافيا والتاريخ ورفعوا فكرة العروبة الحرّة فوق الرؤوس، وكانوا على الدوام صُنَّاع ريادة وليسوا وقوداً في ماكينات أنظمة الطغيان والعسف مهما رطن أصحابها بلغة الضاد وقضاياها وأهلها.

لذلك كله ولغيره أكثر، كان لا بد في نظرهم، من إزاحة الحكيم من الطريق.. علّ ذلك الطريق، يوصل بيّاع الذمم إلى مبتغاه.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل