#dfp #adsense

تجربة الصوم في البرية

حجم الخط

يسوع

هذا المقال ليس لشرح تجربة المسيح في البرية بأبعادها اللاهوتية، وليس لشرح التشابه بينها وبين الصوم الكبير وارتباطها به، ولا العبر والدروس التي يجب علينا أن نستخلصها منها، فهناك عشرات المقالات والمحاضرات التي تشرحها، وإنما ما سيرد هو شرح لدحض كل مزاعم المشككين أيًا كانوا، ملحدين أم من أديان أخرى… أو حتى مسيحيين هامشيين لا يعرفون من المسيحية إلا اسمها.

يروي القديس متى ما حدث مع السيد المسيح في البرية بداية من الفصل الرابع من إنجيله، لكننا سنبدأ من الآيتين الأخيرتين من الفصل الثامن، لنفهم جيدًا السياق الذي بدأ به الفصل الرابع.

16فَلَمَّا اعْتَمَدَ يَسُوعُ صَعِدَ لِلْوَقْتِ مِنَ الْمَاءِ، وَإِذَا السَّمَاوَاتُ قَدِ انْفَتَحَتْ لَهُ، فَرَأَى رُوحَ اللهِ نَازِلاً مِثْلَ حَمَامَةٍ وَآتِيًا عَلَيْهِ، 17وَصَوْتٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ قَائِلاً: “هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ”.

ويبدأ الفصل الرابع هكذا:

1 ثُمَّ أُصْعِدَ يَسُوعُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ مِنَ الرُّوحِ لِيُجَرَّبَ مِنْ إِبْلِيسَ.

يقول المشككون إنه كان لدى إبليس سلطان على المسيح حيث أصعد يسوع الى البرية، لكن في سياق آخر آيات الفصل الثالث التي عطف عليها بداية الفصل الرابع بواسطة حرف العطف “ثم”، لا يعود هناك مجال لأي شك أو تأويل بأن الروح أي الروح القدس الذي نزل على يسوع، هو الذي أصعده الى البرية.

هذه الآية فيها ثلاث شخصيات: (الروح) الذي أصعَدَ (يسوع) الممتلئ من الروح القدس، ليُجَرَبَ من (إبليس). كريستال.

يتساءل البعض، لماذا البرية؟ كان الاعتقاد السائد عند اليهود في ذاك الزمن أن البرية تسكنها الوحوش والشياطين وهي مكان الشر، ويسوع ذهب الى الشيطان بإرادته، ليكسر له سطوته على البشرية، على كل من يؤمن أنه الإله المتجسد الفادي المخلص، وأبواب الجحيم وكل شياطينها لن تقوى عليهم.

2 فَبَعْدَ مَا صَامَ أَرْبَعِينَ نَهَارًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، جَاعَ أَخِيرًا. 3 فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْمُجَرِّبُ وَقَالَ لَهُ: “إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزًا”.

يقول معظم الشراح إن رقم أربعين يشير الى كلام الله لنوح بأنه سيرسل المطر 40 يومًا و40 ليلة، والى 40 يومًا و40 ليلة التي قضاها موسى على الجبل، وإلى مسيرة النبي ايليا لـ40 يومًا و40 ليلة الى جبل حوريب، والى الـ40 سنة التي قضاها شعب إسرائيل في الصحراء…

فالرقم 10 يرمز الى الكمال، والرقم 4 يرمز الى الزمن بفصوله الأربعة وإلى اتجاهات الأرض الأربعة، أي لكل الأزمنة والأمكنة.

المهم أتاه الشيطان عندما جاع، ليستغل ضعف جسده ويدخله في الخطيئة، ولأنه ضائع بين الصوت الذي سمعه عند العماد وبين حالة ضعف جسد يسوع، أراد أن يتأكد إن كان هذا الضعيف الجائع هو حقًا ابن الله.

وهنا نرى أن الشيطان ليس له أي سلطان على يسوع، بل هو يحاول أن يوقعه في الخطيئة، وعندها يتأكد أنه ليس ابن الله، ويصبح بالخطيئة تحت سيطرة إبليس، ويقول الرسول بولس: لَقَدِ امتُحِنَ في كُلِّ شَيءٍ مِثْلَنا، ما عَدا الخَطِيئَة.

4 فَأَجَابَ وَقَال: “مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ”.

ردّ يسوع كان من كلام الله في العهد القديم، وكلام الله في الكتاب المقدس هو السلاح الأمضى في محاربة تجارب الشيطان في كل زمان ومكان.

5 ثُمَّ أَخَذَهُ إِبْلِيسُ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُقَدَّسَةِ، وَأَوْقَفَهُ عَلَى جَنَاحِ الْهَيْكَلِ، 6 وَقَالَ لَهُ: “إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَاطْرَحْ نَفْسَكَ إِلَى أَسْفَلُ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ، فَعَلَى أيَادِيهِمْ يَحْمِلُونَكَ لِكَيْ لاَ تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ”.

الترجمة الحرفية لكلمة “بارالامبانو” اليونانية تعني أيضًا رافقه وزامله، ومن سياق الآية يتبين أن الشيطان لا سيطرة له بتاتًا على يسوع، وهو حائر يسأل، إن كنت ابن الله!!! وهذا يدل على أن الشيطان ما زال غير متأكد من طبيعة الذي أمامه، فهذا الإنسان ضعيف وجائع ومتعب، والشيطان بكامل قواه غير قادر على التحكم به أو لمسه.

7 قَالَ لَهُ يَسُوع: “مَكْتُوبٌ أَيْضًا: لاَ تُجَرِّب الرَّبَّ إِلهَكَ”.

أيضًا أجاب يسوع من الكتاب المقدس بما يخرس الشيطان ويفشل خططه. ولو كان للشيطان أدنى سلطان على يسوع أو يتجرأ على لمسه، لكان دفعه من أعلى جناح الهيكل الذي يرتفع عشرات الأمتار عن الأرض، من دون أن يلجأ الى الخداع ويطلب منه أن يطرح نفسه ويغريه بآيات من العهد القديم.

8 ثُمَّ أَخَذَهُ أَيْضًا إِبْلِيسُ إِلَى جَبَل عَال جِدًّا، وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ الْعَالَمِ وَمَجْدَهَا، 9 وَقَالَ لَهُ: “أُعْطِيكَ هذِهِ جَمِيعَهَا إِنْ خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ لِي”.

لا نعرف بالضبط معنى وأراه، وعلى الأرجح أنه بالإشارة أو بالكلام، لأنه من المستحيل أن تظهر كل ممالك الأرض من مكان واحد، أو ربما اختصر الممالك بأعظم مملكة في ذلك الزمن بمملكة روما ومجدها.

هكذا يريد الشيطان أن يغري يسوع بمجد الأرض الباطل، كما يفعل مع كل النفوس الضعيفة في تلك الممالك، في إشارة الى أن سلطان الشيطان على السلطات ليس في تلك الممالك فحسب، وإنما على كل عشاق السلطة حتى يومنا هذا، وإلا لما قال له أعطيك هذه جميعها وكأنه المالك عليها.

يستميت الشيطان في محاولة إخضاع يسوع وإغرائه للسجود له، لكن يسوع أيضًا هذه المرة يضع الشيطان عند حده حيث نهره وأمره بأن يرحل كمن له كامل السلطان عليه.

10 حِينَئِذٍ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: “اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ”. 11 ثُمَّ تَرَكَهُ إِبْلِيسُ، وَإِذَا مَلاَئِكَةٌ قَدْ جَاءَتْ فَصَارَتْ تَخْدِمُهُ.

وهكذا نرى من كل هذا السرد أن المسيح هو السيد على نفسه وعلى الشيطان الذي كان يتصرف بكل توجس وانتباه، وفقط ضمن الحدود التي وضعها له يسوع.

يقول السيد المسيح في الكتاب المقدس، لِهَذَا يُحِبُّنِي الآبُ، لأَنِّي أَضَعُ نَفْسِي لآخُذَهَا أَيْضًا، لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا.

ومنذ الأزل الرب يسوع المسيح هو الكلمة التي بها كان كل شيء، وهو المتحكم في كل مفاصل التاريخ منذ بدايته… حتى آخر النهاية.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل