#adsense

ما الرسائل وراء محاولة اغتيال جعجع؟

حجم الخط

يُعتبر رئيس حزب «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع من الشخصيات التي يصعب استهدافها أمنيّاً لجملة أسباب، أهمها أنّ فريق حمايته محترف وغير قابل للاختراق نتيجة الولاء السياسي له وللقضية؛ محصّن في مقرّه؛ قليل التجوال، وخروجه من معراب غير خاضع للمراقبة، وبالتالي من الصَعب النيل منه بعبوّة ناسفة…

حيال كل ذلك، وجد الفريق المُستهدِف أن السيناريو الأفضل لشطب جعجع من المعادلة السياسية يكون عبر اغتياله عن طريق القنص، ومن ثم التواري وكأن شيئا لم يكن. وإذا كان معلوماً أن الحراسة الأمنية المشددة تشمل القرى المحيطة بـ معراب، وأن سيناريو القنص لم يكن غائبا عن ذهن المولجين أمن «الحكيم»، إلّا أن البيئة الحاضنة لمقرّه كانت كفيلة بتبديد الهواجس نظراً لصعوبة تنقّل الجهة المرتكبة وتحضيرها عملية من هذا النوع، الأمر الذي يؤشر إلى الاحتراف الذي تتمتع به هذه الجهة ومراسها الطويل في تحضير عمليات مشابهة وتنفيذها.

وما يمكن تسجيله في السياق الأمني نفسه أيضا، يكمن في الآتي:

أولا، يعتبر جعجع من الأشخاص المرصودين والمتابعين باستمرار، وذلك بانتظار اللحظة المؤاتية «لاصطيادهم»، فهو بهذا المعنى من الأهداف الأمنية الثابتة.

ثانيا، كَثر الحديث في الآونة الأخيرة عن تجدد الاغتيالات التي توقفت بـ»سِحر ساحر» بعد اتفاق الدوحة، والحديث هنا مردّه إلى معلومات أمنية دقيقة من المحكمة الدولية وأجهزة المخابرات الخارجية.

ثالثا، من الواضح أن الجهة الفاعلة التي تنفذ الاغتيالات، وهي بالمناسبة معروفة ومكشوفة من الجميع، لا تريد تسليط الضوء على نفسها بتنفيذ اغتيال لا تكون له تداعيات سياسية كبرى، كونها تدرك دقة الوضع الموجودة فيه وحساسيته من المحكمة الدولية إلى الأزمة السورية، ومن هنا خطّطت ونفذت على قاعدة أن «الصيد الثمين» يستأهل المجازفة والمخاطرة في سبيله.

رابعا، لقد أثبتت هذه المحاولة أن الجهة التي قامت بالعملية ما زالت متمسكة بالأسلوب الإجرامي نفسه، وهي لم تتعظ من تجربتها، ولا يبدو أنها في وارد الارتداد والكف عن ممارسة العنف وشطب كلّ من يشكّل عائقا أمام تنفيذ مخططاتها الآيلة إلى إبقاء لبنان ساحة لنفوذ أوصيائها الخارجيين.

خامسا، إنْ دَلّت هذه المحاولة على شيء فعلى أن لبنان دخل معها في مرحلة أمنية محفوفة بالمخاطر.

هذا على المستوى الأمني، أمّا على المستوى السياسي فيمكن إدراج هذه المحاولة ضمن الآتي:

أ- الأزمة السورية: إن أي متابع للأحداث يدرك أن النظام السوري يحتضر، وذلك بعيدا عن البروباغندا الإعلامية السخيفة، وبالتالي الفريق الممسِك بزمام الأمور في لبنان يقوم بالمستحيل للحؤول دون استفادة فريق الرابع عشر من آذار من المتغيّر السوري، بمعنى أنه يريد تثبيت الستاتيكو القائم أو تأبيد الأوضاع الحالية. ولذلك، فإنّ التخلّص من الدكتور جعجع يسهّل عليهم هذه المهمة.

ب- الانتخابات النيابية: تشكل الانتخابات المقبلة محطة مفصلية في الحياة الوطنية اللبنانية، لأنّ فوز 14 آذار فيها سيعيد الأكثرية إليها، وهذه المرة تختلف عمّا سَبقها، ليس فقط من زاوية أن «المؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين»، وأن تجربة «حزب الله» مع الحكومة الحالية تتيح لقوى انتفاضة الاستقلال أن تحذو حذوها، إنما لأن الفوز في الانتخابات يترافق مع سقوط النظام السوري أو غياب تأثيره بالحد الأدنى. وفي هذا المجال معروف جيدا أهمية الدوائر المسيحية التي ستشكل بيضة القبان بترجيح الدفة في هذا الاتجاه أو ذاك. ومعلوم أيضا الدور- الرافعة الذي يؤديه جعجع على هذا المستوى، إذ أنه ليس خافيا على أحد أن الجزء الأكبر من جهده بدأ يتركز على كيفية إقفال الثغرات وتوفير «انتصار نظيف» يؤدي إلى هزيمة مزلزلة للتيار العوني. ولذلك، فإنّ التخلص من الدكتور جعجع يؤدي إلى «إبقاء القديم على قدمه».

ج- الشراكة المسيحية-الإسلامية: ليس خافيا على أحد أن أكثر ما أزعج النظام السوري هو هذه الشراكة التي من دونها كان يصعب خروج الجيش السوري من لبنان. وهذه الشراكة بالذات هي المعبر لمشروع الدولة والقضاء على الدويلة. ولا يمكن وضع وثيقة التفاهم بين التيار العوني و»حزب الله» إلّا في هذا الإطار، بُغية ضرب «المومنتم» والدينامية اللذين أطلقتهما وإعادة المسيحيين إلى منطق أهل الذمّة. وليس خافياً على أحد أيضا أن المطلب السوري الأساس من الرئيس سعد الحريري إبّان مفاوضات الـ»سين-سين» كان فكّ تحالفه مع الدكتور جعجع. ولذلك، فإنّ التخلص من جعجع يَرمي الى التخلص من هذه الشراكة الكفيلة بـ»العبور إلى الدولة»، وإعادة المسيحيين إلى «الكنف العوني»، أي المنطق الأقلوّي الذي يُبَدّي الوصاية على الشراكة والدولة.

د- الحضور السياسي لجعجع: نجح رئيس «القوات» في فترة قصيرة نسبيّاً بتحقيق خطوات نوعية من تنظيم الحزب وهيكلته إلى مَدّ شعبيته مسيحياً ووطنياً بشكل واسع، فضلا عن حضوره على الساحتين العربية والدولية. ولذلك، عندما يصبح الشخص عائقاً يحاولون إزاحته من الطريق، ولا شك في أنّ جعجع، بالنسبة اليهم، هو الرجل الأقوى والأخطر اليوم في لبنان… 

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل