قضية تعامل كرم مع إسرائيل أصابت التيار الوطني في الصميم وأسقطت كل شعاراته ضد خصومه
«حزب الله» إلتزم الصمت المُطبَق ما دام عون يوفّر التغطية المسيحية لسلاحه ومشروعه الإقليمي
تجاوز «حزب الله» قضية إتهام فايز كرم بالتعامل مع إسرائيل وكأنها لم تكن ويبدو أن متطلبات التحالف تتطلّب التغاضي عن هذه القضية!؟
لا شك أن إنكشاف عمالة القيادي في «التيار الوطني الحر» فايز كرم مع إسرائيل وإدانته بحكم قضائي مخفّف قياساً على باقي الأحكام الصادرة بحق المتعاملين الآخرين، قد أصابت التيار وجمهوره بالإحباط الشديد، لم تنفع معه كل الحملات الغوغائية، السياسية والإعلامية والتظاهرات النيابية في قاعة المحكمة، لقلب الحقائق وتصوير ما حصل وكأنه ملاحقة سياسية تستهدف التيار لعلاقته التحالفية مع النظام السوري و«حزب الله»، وأسقطت كل الشعارات الفارغة التي كان التيار قيادة وجمهوراً، يواجه بها خصومه السياسيين في تحالف قوى 14 آذار، ويتهمهم تارة بالعمل لصالح العدو الإسرائيلي وتارة أخرى بالتحالف مع الغرب وتحقيق مصالحه، وذلك لتغطية إنصياعه الأعمى لسياسات «حزب الله» في الهيمنة على الدولة ولتغطية تجاوزات سلاحه غير الشرعي ولتبرير التدخل السوري السافر في الشؤون الداخلية اللبنانية والاستقواء به لقلب موازين القوى السياسية كما حصل لدى إسقاط حكومة الوحدة الوطنية السابقة والإتيان بحكومة نجيب ميقاتي الحالية.
ولم يكن «حزب الله» يتوقع أن يكون أحد قياديي حليفه في «التيار الوطني» عميلاً لإسرائيل في هذا الظرف بالذات وينكشف أمره، لا سيما عندما تولى الأمين العام للحزب حسن نصر الله شنّ حملة سياسية شعواء ضد خصومه السياسيين في قوى 14 آذار وتحديداً زعيم «تيار المستقبل» سعد الحريري في صيف العام 2010 على خلفية المحكمة الدولية وشهود الزور، ليخلص إلى توجيه إتهام لهؤلاء الخصوم مواربة بأنهم يشكلون «البيئة الحاضنة لعملاء إسرائيل» بعد اكتشاف بعض العملاء لا يمتّون بصلة لاي طرف سياسي من خصومه كما تبين لاحقاً، ولم يلبث زعيم التيار الوطني الحر النائب ميشال عون ان لحق بنصر الله واستعمل نفس العبارات واطلق اتهامات مماثلة تحت العنوان ذاته، وتبين ان هناك خطة منسقة عن سابق تصور وتصميم ضد حكومة الرئيس سعد الحريري، من خلال تكرار وتكثيف مثل هذه الاتهامات المزيفة، لاضعاف الحكومة واستنزافها والحصول من رئيسها على تنازلات مطلوبة على صعيد المحكمة الدولية في غمرة الاتصالات الجارية على قدم وساق مع النظام السوري بهذا الخصوص يومذاك.
وشكلت خطوة القاء القبض على فايز كرم في أوج هذه الحملة المبرمجة من قيادة «حزب الله» تحت عنوان «البيئة الحاضنة للعملاء»، ضربة قاسمة لكل ما وظف تحت هذا العنوان من جهود سياسية وامكانات اعلامية كبيرة، ليصاب التيار والحزب بخيبة امل كبيرة واحباط شديد، أدت الى إسقاط الحملة المذكورة في اوجها والى تراجع مفضوح في الاندفاعة السياسية الموجهة ضد تحالف قوى 14 آذار، في حين لم تفلح كل الضغوطات السياسية التي مارسها «التيار الوطني» مع حليفه للفلفة هذه القضية واخراج فايز كرم من السجن بعد اعترافاته الصريحة بالتعامل مع اسرائيل ومصادرة الادلة الثابتة بهذا الخصوص من قبل المحققين الذين تولوا اجراء التحقيقات اللازمة معه على مدى اسابيع.
تجاوز «حزب الله» قضية اتهام فايز كرم بالتعامل مع اسرائيل بالصمت المطبق من القمة إلى القاعدة وكأنها لم تكن، بالرغم من مؤثراتها السلبية على العلاقة التحالفية بين الطرفين، ولكن يبدو ان متطلبات هذا ا لتحالف تتطلب التغاضي عن هذه القضية ما دام زعيم التيار الوطني النائب ميشال عون منسجما مع المشروع الاستراتيجي للحزب بالسيطرة على الدولة اللبنانية، ويغطي كل التجاوزات اللاشرعية التي تصب في خانة مصالح التحالف السوري الايراني في المنطقة، ولم يظهر منه اي تأفف او تجاوز لهذا المشروع وخصوصا في البيئة المسيحية التي تتذمر من هذا التحالف وتدعو للتنصل منه لانه لا يعبر عن شعورها وتطلعاتها في السيادة والحرية والاستقلال.
وهكذا سارت علاقات التحالف بين الطرفين لحين صدور الحكم النهائي المخفف الذي اعتبر بمثابة انتصار لحملة الدعاية المضادة للتيار العوني ضد خصومه السياسيين، في حين اظهر الحكم الصادر عن المحكمة العسكرية بعد طول مداولة وتحت ضغوط مكشوفة، انه لا يمكن لاحد تجاهل قضية التعامل التي ادين بها فايز كرم من قبل محكمة ليست محسوبة على خصوم التيار الوطني، وقد اصبحت الادانة واقعاً محفوراً في سيرة التيار الوطني الحر وفي قاعدة هرمه الكبير وليس على صعيد عنصر عادي في صفوفه.
ومهما يكن فاللافت أن صمت «حزب الله» حليف «التيار الوطني الحر» تجاه قضية تعامل فايز كرم مع إسرائيل وتجاوزه لها تشبه تجاوز الحزب لما كشفته وثائق «ويكيليكس» من مواقف عدائية لحلفائه على اختلاف توجهاتهم وانتماءاتهم تجاهه وما يكنونه من مشاعر مناهضة له، لا يتجرأون على قولها علناً ولكنهم كشفوا عنها لمحدثيهم الدبلوماسيين الأجانب في أكثر من لقاء ومناسبة، لأن استمرار ضمان تأييد هؤلاء الحلفاء للحزب وسياساته المحلية والإقليمية وتغطية تجاوزات سلاحه غير الشرعي والمكروه من معظم اللبنانيين، هو الأهم من كل ما يحدث، حتى لو تمّ اعتماد نظرية «تعامل فايز كرم مع إسرائيل حلال»، كما طبق الحزب دعم نظام بشار الأسد في قتل ابناء الشعب السوري المطالبين بالحرية والكرامة ولا يزال منذ اندلاع الثورة السورية وحتى اليوم.