محاولة الاغتيال الفاشلة التي تعرّض لها رئيس حزب "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع، لم تمنع "الحكيم" من مزاولة نشاطاته كالمعتاد والتحرّك بحريّة ربّما أكبر داخل قلعته في معراب حيث يحرص ومنذ تكشّف معالم جريمة اغتياله على التجوال في مقر الحزب لإلقاء التحيّة على وردته الجميلة التي أنقذته من الموت المحتّم، في إشارة واضحة إلى رفضه الانصياع للمحاولات الرامية إلى تحويله سجينا مجددا، في قفص سجّانيه المعروفو الهوية والانتماء.
الأجواء في "معراب" تبدو في شكل عام مريحة على الرغم من التشديدات الأمنية المستجدّة المفروضة داخلها وخارجها من قبل الأجهزة الأمنية المولجة توفير الحماية الشخصيّة للدكتور جعجع وعقيلته النائب ستريدا، فالقلعة "القوّاتية" تحوّلت في الأيام الثلاثة الماضية، إلى ما يشبه الـ"قفير"، حيث حركة الوفود الشعبية والنيابية والسياسية الآتية إلى "معراب" لتقديم التهنئة إلى الأسرة القواتية الكبيرة لا تهدأ، كذلك الاتصالات لا ينقطع رنينها، لكنّ منها ما يردّ عليها جعجع شخصيّا ومنها لا يعيرها الاهتمام.
وما بين اتصالات التهنئة وحركة الوفود الداخلة والخارجة، لا تنقطع الأخبار المتواترة من الأجهزة الأمنية بشأن التحقيقات الجارية، حول الجهة المنفّذة والطريقة التي تمّ تنفيذ محاولة الاغتيال فيها، وفي هذا المجال يشير مصدر أمني بارز لـ"اللواء" إلى أنّ التحقيقات جارية على قدم وساق، كاشفا عن وجود خيوط جديدة مهمّة قد تقود إلى معرفة الجهة المتورطّة في محاولة الاغتيال، مفصحا عن أنّ محيط "معراب" كان مراقبا بشكل وثيق في فترة الشهرين الماضيين، موضحا أنّ التقنيات التي استخدمت في محاولة الاغتيال الفاشلة متطورة جدا، وأنّ مصدر "القناصة" التي استخدمت من مسافة نوعا ما بعيدا هو روسيا، دون أن يعني ذلك وفق المصدر الأمني توجيه أصابع الاتهام إلى أي جهة سواء محليّة أو خارجية، وهنا يلفت المصدر إلى أنّ الدخول في فرضيّات الجهة المتورطة لا يفيد في هذه المرحلة التحقيق بل يضرّه.
قيادة "معراب" وعلى رأسها الدكتور سمير جعجع المرتاحة إلى سير التحقيقات والدور الذي تقوم به الأجهزة الأمنية، من جيش وقوى أمن داخلي في سبيل كشف حيثيات وملابسات محاولة الاغتيال، تبدو في مكان آخر عاتبة وحتى ناقمة على صمت "التيار الوطني الحر" إزاء ما تعرّض له جعجع، على الرغم من الاتصال اليتيم الذي أجراه عضو تكتّل "التغيير والإصلاح" النائب الدكتور يوسف خليل برئيس حزب "القوات" للاطمئنان على صحّته، بصفته صديقا قديما وليس بصفة حزبيّة، وهنا لا تتوانى مصادر قوّاتية عن إبداء أسفها إزاء حالة الانحدار التي وصل إليها التيار في إيحاء غير مباشر عن اتهام "التيار" في الوقوف إلى جانب القاتل داخليا كان أم خارجيا.
في موازاة، هذا الصمت العوني غير المفهوم لدى القواتيين، برز موقف لافت للنائب المقرّب من "حزب الله" عباس هاشم، يشكك فيه بحقيقة محاولة الاغتيال التي تعرّض لها الدكتور سمير جعجع، لم تتبرّأ منه قيادة "التيار الوطني الحر" ولا حتى "حزب الله"، وفي هذا المجال، حاولت "اللواء" معرفة موقف "حزب الله" من محاولة اغتيال رئيس حزب "القوات"، فكان في البداية اتصال مع عضو كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب علي فيّاض الذي رفض التعليق على الموضوع، وأحالنا إلى مسؤول العلاقات الإعلامية في الحزب ابراهيم الموسوي، الذي بدوره كان خارج نطاق التغطية، وبعد أكثر من محاولة مع عدد من نوّاب ومسؤولي الحزب جاء الجواب: "لا تعليق"، مع الإشارة هنا إلى إمكانية تناول، أمين عام "حزب الله" حسن نصرالله، مسألة عودة الحديث عن الاغتيالات السياسية، في مناسبة قريبة جدّا.
هكذا يظهر، من خلال الصمت العوني ولا تعليق "حزب الله"، وجود نيّة تشكيكية واضحة، لدى فريق الثامن من آذار من السيناريو الذي عرضته "القوّات"، عن محاولة اغتيال رئيس الحزب الدكتور سمير جعجع، وفي هذا المجال، يستغرب مصدر قوّاتي بارز التصرّف اللاعقلاني لـ"حزب الله" حيال محاولة اغتيال رئيس حزب "القوات اللبنانية"، والذي يبرز وفق المصدر بشكل نافر في أداء وسائل الاعلام التي يديرها بشكل أو بآخر الحزب، ويرى أنه في حين تحققت كل الأجهزة الأمنية من مدى جدية محاولة الاغتيال ونجاة جعجع بأعجوبة وفق ما أعلن وزير الداخلية والبلديات مروان شربل، نجد أنّ "حزب الله" يريد دائما وأبدا وضع نفسه في قفص الاتهام، إما من خلال محاولة تسخيف الجريمة، وبالتالي تضليل التحقيقات عبر محاولة إلصاق التهمة بجعجع وفريقه، أو من خلال رفضه تسليم المتهمين من حزبه في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري إلى العدالة الدولية.
تبقى الإشارة، إلى أنّ الأيام المقبلة، ربما كفيلة بتبيان الخيط الأبيض من الخيط الأسود بشأن محاولة الاغتيال، والموقف الواضح لـ"حزب الله" منها، مع أنّ المؤشرات تدل على أنّه تتملك الحزب شكوك من توقيت محاولة الاغتيال في هذه الظروف الداخلية والخارجية بالذات.