#adsense

غودو الحوار؟

حجم الخط

غودو الحوار؟

الكل يستعجلونه. لكن الحوار الوطني لم يتحرك بعد. ثمة من يتخوّف من ان يكون نسخة اخرى من قصة "غودو" الذي لن يصل. او اذا وصل فلن يغير شيئاً من الواقع.
الرئيس ميشال سليمان ليس وحده الذي يدعو الى المبادرة في اسرع وقت للجلوس الى طاولة الحوار. وهو اصلاً الذي يملك زمام المبادرة في هذا. وقد اجرى جولة مشاورات واسعة حول الامر. بل ان معظم القوى السياسية في البلاد، وخصوصاً قوى الاكثرية، تستعجل قيام هذا الحوار الذي يفترض ان يعالج ما اتفق عليه في الدوحة، اي موضوع السلاح والاستراتيجيا الدفاعية.

❑ ❑ ❑

الحوار الوطني ضرورة ملحة قبل اتفاق الدوحة وبعده طبعاً. وهو لا يحتاج الى "محفّزات" مؤلمة و"منبّهات" مؤسفة لكي يقوم هذا الإلحاح عليه من الذين يعرفون جيداً ان الاستمرار في الاوضاع الراهنة، وما فيها من الغام واخطار، سيدفع لبنان الى جحيم الحروب المذهبية والاهلية. لذلك فإن السؤال بات الآن ملحاً:

ما الذي يمنع تحديد موعد لبدء هذا الحوار الذي تهب عليه عواصف مصطنعة تهدف الى فركشته وإفشاله. وهي تتمثل في ارتفاع اصوات مدفوعة من قوى معروفة تدعو الى توسيع عدد المتحاورين وكذلك توسيع جدول اعمال المؤتمر بحيث يتوافر من العناصر الخلافية ما يضمن فشله سلفاً على ما يبدو؟

والحوار كما قلنا لا يحتاج الى المحفّزات المتنوعة تهب على البلاد والعباد، تارة من طرابلس وطوراً من البقاع، وثالثة من سجد، ورابعة من الحوادث الامنية المتنقلة والاعتداءات المسلحة التي تؤكد كل يوم ان لا وجود يذكر لهيبة القانون والدولة. وهو ما ينبه اللبنانيين كل صباح الى ان الوضع على حافة الانهيار او الانفجار.

❑ ❑ ❑

على هذا الاساس اذا كان الرئيس سليمان قد عاد من قطر مستعجلاً بدء مؤتمر الحوار الوطني، فليس عليه الا ان يحدد موعداً لهذا المؤتمر وان "يترجم" ما اتفق عليه في الدوحة لجهة ما سيتناوله المتحاورون.
واذا دققنا في المواقف والتصريحات فإننا نلمس استعجالاً متكرراً من النائب وليد جنبلاط للحوار، كما نلمس اصراراً عليه من النائب سعد الحريري الذي يستعيد رؤية والده الشهيد الرئيس رفيق الحريري ومشروعه عندما يكرر دائماً "ان مشروعنا الوحيد في لبنان هو مشروع الدولة (…) ولن اسمح لاحد بأن يدفعنا الى اي مشروع غير مشروع الدولة".
وفي هذا الكلام ضمناً اصرار على اولوية مشروع الدولة في مواجهة كل "المشاريع" الاخرى التي تأخذ من الدولة او تحل محلها او تتناقض معها او تصطدم واياها!

❑ ❑ ❑

منذ انطلاق مروحة المشاورات التي يجريها رئيس الجمهورية تمهيداً لبدء الحوار، وضعت في التداول افكار كثيرة واطلقت بالونات كثيرة ايضاً، منها على سبيل المثال ان المؤتمر يفترض ان يدرس ايضاً، اي بالاضافة الى السلاح واستراتيجيا الدفاع، موضوع الاصلاح والخطة الاصلاحية المقدمة الى مؤتمر باريس 3، رغم ان وزراء المعارضة في الحكومة السابقة كانوا قد شاركوا في وضع بنود هذه الخطة!

ان مثل هذا الامر سيؤدي الى سلبيتين:
❑ اولاً: إغراق الحوار في امور تساعد على افشاله لتحييد التركيز على الموضوع الاساسي اي السلاح واستراتيجيا الدفاع ومرجعية قرارات السلم والحرب.

❑ ثانياً: قيام تداخل في الصلاحيات وفوضى في المرجعيات. بمعنى ان اموراً من هذا النوع يجب التفاهم عليها في الحكومة التي تشكل بحسب الدستور مرجعية القرار الوطني. فإذا كان مؤتمر الحوار سيتحوّل مرجعية تقرر في امور من هذا النوع، فلماذا تبقى الحكومة في البلاد؟ وما معنى الترابط الذي يفرضه النظام السياسي اصلاً بين ارادة الشعب في التمثيل العام وارادة السلطة الاشتراعية في هندسة السلطة التنفيذية ومراقبتها ومحاسبتها؟

❑ ❑ ❑

في ضوء اسئلة من هذا النوع الذي ينطوي على احقية ووجاهة، تندفع الآن تحليلات وتأويلات كثيرة انطلاقاً من كلام الرئيس بري في الذكرى الثلاثين لتغييب الامام موسى الصدر، الذي دعا فيه الى تشكيل "هيئة وطنية تعمل على تحديد مفهوم موحد للوطن والمواطنة والمواطنية… وتدرس السبل الآيلة الى الغاء الطائفية السياسية التي نص عليها اتفاق الطائف".
واذا كانت هذه الهيئة التي يقترحها رئيس المجلس ستشكل بنداً على جدول اعمال مؤتمر الحوار الوطني فهذا يعني، في رأي الاكثرية، اننا سنُدخل "اتفاق الطائف" على "اتفاق الدوحة" بما يمهّد لقيام مقايضات تتصل في النهاية بالسعي الى عدم تغيير الامر الواقع والراهن للسلاح وقرار السلم والحرب.

ويمكن هذا التفسير ان يأخذ بعداً اوسع، عندما تشدد اصوات في الاكثرية على طرح تساؤلات حول دعوة الرئيس بري الى "نقض الاحتكارين". اي احتكار قرار الحرب والسلم واحتكار العواصم والمدن والمقصود بيروت وطرابلس.
في ضوء كل هذه الامور والتساؤلات، يصبح السؤال مشروعاً بالفعل:
الكل يستعجلون الحوار فهل يصل سريعاً؟ وهل يكون مجرد نسخة سياسية من قصة "غودو" الذي لن يصل واذا وصل فلن يغيّر شيئاً من الواقع المزري في لبنان؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل