لا اعلم لماذا اول ما تبادر الى ذهني فور شيوع خبر محاولة إغتيال الدكتور سمير جعجع، والتي اعقبت إغتيال العديد من قيادات ثورة الأرز، كان رواية الكاتبة أغاتا كريستي بعنوان:“And Then There Were None”، والتي عرضها تلفزيون لبنان في سبعينيات القرن الماضي، ضمن مسلسلٍ بعنوان "عشرة عبيد زغار".
قصّة هذه الرواية تدور حول أشخاصٍ يقطنون في منزلٍ واحد، بحيث يتعرض هؤلاء للإغتيال، الواحد تلو الآخر. وشيئاً فشيئاً يُدرك من تبقّى منهم حيّاً، أن القاتل يعيش بينهم، وهو يستعّد لإغتيال الباقين على التوالي.
وإذا إردنا إسقاط مجريات هذه الرواية الدرامية البوليسية على لوحة الواقع السياسي في لبنان، أقلّه منذ محاولة إغتيال النائب مروان حماده في تشرين الثاني 2004 وصولاً حتى الأمس القريب، لقُلنا، بأن المسكن الذي تدور فيه أحداث الرواية، ما هو إلاّ المنارة، والسان جورج، والأشرفية، والمصيطبة، والجديدة، والمنصورية، وحرج تابت، ومعراب(…)، امّا الضحايا فهم "عشر قيادات كبار" في ثورة الأرز، بينما القاتل، الشريك في هذا المسكن، هو "عبدٌ صغير" يقتل اللبنانيين لحساباتٍ غير لبنانية، فيما هويته باتت مفضوحةً امام الجميع.
في رواية أغاتا كريستي، كان القاتل يتشارك وضحاياه المسكن ذاته، فيجلس وإيّاهم حول طاولة حوار عليها عشر تماثيل صغيرة، كانت تنقص واحداً كلما اغتيل أحدهم. امّا في واقعنا السياسي، فإن القاتل معروفٌ ايضاً، سواء لدى الرأي العام اللبناني والعربي والإسلامي والغربي، او لدى ارفع المراجع القضائية الدولية، حتى وإن حاولت ماكينات دعائية رخيصة تجهيله.
إن إختلاف الدوافع الجرمية بين رواية اغاتا كريستي من جهة، وبين حقيقة الإغتيالات السياسية في لبنان من جهةٍ ثانية، لا ينفي واقع وجود تشابهٍ اكيد بين "المُسلسلين الدمويين"، إن لجهة سيناريو القتل التسلسلي المستمّر منذ سنواتٍ طويلة، او لجهة هوية القاتل الذي يصطاد "شركائه" في الوطن-المسكن، بكلّ دمٍ بارد.
امّا وأن هوية القاتل باتت مفضوحة للجميع، فإن أكثر ما يُثير الإستغراب، هو محاولة هذا القاتل وحلفائه في الجريمة، الإختباء خلف إصبعهم، مفترضين ان إطلاق بعض القنابل الإعلامية الدخانية، على غرار ما قاموا به طيلة سنوات الإغتيال الأخيرة، ممكن ان يُثير غباراً من الشكوك والضبابية تُرافق محاولة إغتيال الدكتور جعجع الأخيرة…
وكأن محاولة إغتيال زعيمٍ وطني كبير كالدكتور جعجع، تأتي من خارج الزمان والمكان والواقع، فتتعارض بالتالي، مع السياق الطبيعي لعمليات الإغتيال التي عصفت بلبنان، وطالت عشرات القياديين المعارضين للإحتلال!!!
وكأن لبنان ينعم اصلاً باستقرارٍ أمني وسياسي، اقلّه منذ العام 2004، لم تعكّره سوى محاولة اغتيالٍ يتيمةٍ "مزعومة" في معراب، لم نألف شبيهاً لها يوماً، طوال حقبة الإحتلال المباشر او غير المباشر…!!
غريب امر ماكينة الأكاذيب الرخيصة لقوى 8 آذار، فهي تارةً تُروّج بأن محاولة الإغتيال مفبركة من أساسها، وطوراً تندب حظّها، ضمن غرف تواصل إجتماعي او غرف عملياتٍ غير اجتماعية، بسبب إخفاق رصاصات الحقد في تنكيس جبين الأرز الشامخ!!…
عندما تفشل محاولة إغتيالهم لسمير جعجع، يُصورّون الأمر وكأنه عملية "مفبركة" وغير صحيحة من أساسها، ولكن عندما تنجح محاولاتهم في إغتيال رفيق الحريري، وجبران تويني وبيار الجميّل…تكون دوافع الجريمة، مالية، او غرامية، او وراثية…ولكن، ماذا عن إطلاق النيران ابتهاجاً، وتوزيع الحلوى، والرقص في الأزقّة؟…
ولّى زمن انتصاراتهم وحلّ زمن هزائمهم…عجلاتهم تسير مُسرعةً الى الخلف. أمبراطورية الظلم والظلام على وشك الإندثار…حتى رصاصات حقدهم السوداء حلّ عليها العمى فأخطأت هدفاً مكشوفاً في وضح النهار…إنه ربيع الشعوب، إنه ربيع الله والإنسان في الشرق…فشكراً لك يا الله، لقد افسدت على قوى الشر والتخلّف والظلامية فرحتها السوداء المنشودة…
غريبٌ امر ماكينة الأكاذيب تلك، فلو أراد جعجع، على سبيل المثال لا الحصر، "إفتعال" واقعةٍ كهذه، من اجل اكتساب نقاطٍ سياسية مُعيّنة، لكان اختار توقيتاً ملائماً يمكن تسييّله شعبياً وانتخابياً في اللحظة ذاتها، وليس قبل أكثر من سنة على أقرب استحقاقٍ دستوري شعبي يمكن استثماره.
بالنسبة اليهم: سمير جعجع يُطلق النار على نفسه ليربح الإنتخابات قبل حوالى 420 يوماً لا غير، من موعدها الدستوري، ورفيق الحريري يغتاله ابنه سعد ليرث رئاسة الحكومة، وبيار الجميّل يغتاله والده امين ليحّل مكانه في مقعد المتن، وجبران تويني تغتاله صديقته الفرنسية لأنه هجرها الى بيروت، وسمير قصير يطعن نفسه بريشة قلمه احتجاجاً على فوز امين معلوف بجائزة الآداب، ووليد عيدو "سقط سهواً" أثناء محاولة نادي الرياضي تفجير نادي النجمة بسبب تنافسٍ حول لعبة الكرة!!…
ليس غريباً ان تصل الأمور بالبعض الى هذا المستوى الأخلاقي المتدنّي، فمن المتعارف عليه ان الإستعدادات اللوجستية والعملانية لتنفيذ عملية إغتيال هامّة، غالباً ما تترافق مع حملاتٍ دعائية وسياسية مبتذلة، على غرار تلك التي تُثيرها بعض الأبواق المأجورة في لبنان.
وللتذكير فقط، فإن العماد المتقاعد ميشال عون كان قد حاول بتاريخ 27 كانون الثاني 2012، تسخيف جرائم الإغتيال السياسي، ووضعها في خانة خلافاتٍ غرامية، قائلاً بالحرف الواحد: "من يعلم من قتل من، ولماذا قام بقتله؟ ماذا لو قتله لأنّه يغار على زوجته وهو على علاقة بها؟ هل أجعل منه شهيد الوطن".
فهل ثمّة من كان يريد تعبيد الطريق دعائياً امام خطواتٍ عملانية لاحقة؟؟ اعلم اعلم…
في الذكرى السنوية الأولى لإغتيال جبران تويني، القى الفنان غسان صليبا في البيال، قصيدةً غنائية معبّرة للشاعر الرؤيوي منصور الرحباني، يقول احد مقاطعها:
" …يا شعبي الداخل، بوجع الداخل
انا صوتي الناحل، بيعرف القاتل المخبّى، وبآمن بعدالة جايي تردّلي السلام…
ع حبسي بمضي، عالمنفى بمضي، ع موتي بمضي…
دمّي حبر الحقيقة، وإذا ما بمضي بدمّي ما بيثبُت هالكلام"…
فهل ثمّة من لا يزال يُشككّ "بهذا الكلام المُثبّت بحبر الشهادة"؟ وهل ثمة من يحاول حتى هذه اللحظة، استغباء عقولنا، من خلال تجهيل قاتلٍ، بعد 8 سنوات وأكثر، على ارتكابه عشرات الجرائم المتتالية؟؟!!
…"ثم لم يعد هناك أحد"، هو العنوان المُعّرب لرواية اغاتا كريستي. وبالفعل، فلو نجحت محاولة إغتيال سمير جعجع، بعد أن اغتيل من اغتيل، وهُدد من هُددّ، لما بقي أحدٌ في لبنان، إلا السلاح غير الشرعي، والنظام الأمني، والإحتلال المُقنّع، وقمع الحريات العامة والخاصة، والإنتخابات المُزورّة…ولم يكن ليبقى احدٌ ويسود، سوى الزمن الرديء بكل تجلّياته… لكن العناية الإلهية شاءت هذه المرّة ايضاً، الاّ يصّح إلاّ الصحيح…وأن يبقى الحكيم…ليحيا الوطن…ونبقى نحن…